كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 27)

يعجب زرّاعه الذين زرعوه؛ أي: يسرَّهم بقوته، وكثافته وغلظه، وحسن منظره، وطول قامته، وهنا (¬1) تمَّ المثل، وهو مثل ضربه الله لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قلوا في بدء الإِسلام، ثم كثروا واستحكموا، فترقى أمرهم يومًا فيومًا، بحيث أعجب الناس أمرهم.
ثم ذكر سبحانه علّة تكثيره لأصحاب نبيّه - صلى الله عليه وسلم -، وتقويته لهم، فقال: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} الغيظ: أشدّ الغضب، وهو علّة لما يعرب عنه الكلام من تشبيههم بالزرع في زكائه واستحكامه؛ أي: كثرهم الله سبحانه، وقوّاهم وجعلهم كالزرع في النماء والقوّة؛ ليغيظ ويغضب بهم مشركي مكة، وسائر كفّار العرب والعجم؛ أي: فعل بهم ذلك؛ ليكونوا غيظًا للكافرين، ومما يغيظ الكفار قول عمر رضي الله عنه لأهل مكة بعدما أسلم: لا نعبد الله سرًّا بعد اليوم.
وقيل: قوله: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ}: علّة لما بعده من قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ} سبحانه وتعالى {الَّذِينَ آمَنُوا} بالله ورسوله {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} فرائضها وسننها، و {من}، في قوله: {مِنْهُمْ}؛ أي: من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، للبيان؛ أي: لبيان الجنس كلّهم، كما في قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} فلا حجَّة فيه للطاعنين في الأصحاب؛ وإن كلّهم مؤمنون، وقيل: الضمير للكفار فمن للتبعيض. {مَغْفِرَةً} لذنوبهم {وَأَجْرًا عَظِيمًا} وثوابًا جزيلًا؛ أي: وعد الله سبحانه وتعالى هؤلاء الذين مع محمد - صلى الله عليه وسلم -، أن يغفر ذنوبهم، ويجزل أجرهم، بإدخالهم الجنة التي هي أكبر نعمة، وأعظم منّة؛ ليغيظ بهم الكفار، فإنّ الكفار (¬2) إذا سمعوا بما أعدّ للمؤمنين في الآخرة، مع ما لهم في الدنيا من العزّة .. غاظهم ذلك أشدّ الغيظ، والأول: أولى.
يقول الفقير: نظر الكفار مقصور على ما في الدنيا مما يتنافس فيه ويتحاسد، وكيف لا يغيظهم ما أعدّ للمؤمنين في الآخرة وليسوا بمؤمنين باليوم الآخر؟!
¬__________
(¬1) روح البيان.
(¬2) روح البيان.

الصفحة 311