كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 27)

بالأنساب، فإنّ ذلك لا يوجب كرمًا، ولا يثبت شرفًا، ولا يقتضي فضلًا.
وقرأ الجمهور (¬1): {إنَّ} بكسر الهمزة، وقرأ ابن عباس: بفتحها، وكان قرأ: {لتعرفوا} مضارع عرف، فاحتمل أن تكون {أنَّ}: معمولة لـ {تَعَارَفُوا} وتكون {اللام} في {لتعرفوا}: لام الأمر، وهو أجود من حيث المعنى، وأمَّا إن كانت لام كي .. فلا يظهر المعنى أن جعلهم شعوبا وقبائل؛ لأن تعرفوا أن الأكرم هو الأتقى، فإن جعلت مفعول {لتعرفوا} محذوفًا؛ أي: لتعرفوا الحق؛ لأنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم، ساغ في لام {لِتَعَارَفُوا} أن تكون لام كي.
قيل: أكرم الكرم التقوى، وألأم اللؤم الفجور، وقال ابن عباس: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى. أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، وروى ابن عمر رضي الله عنهما: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس يوم فتح مكة، وهو على راحتله، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: "أيها الناس، إنّ الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية، وتكبرها بآبائها، فالناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله، ورجل فاجر شقي هين على الله تعالى، إن الله عَزَّ وَجَلَّ يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ثم قال: "أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم". قوله: "عيبة الجاهلية"، يعني: كبرها وفخرها.
{إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {عَلِيمٌ} بكم وبأعمالكم {خَبِيرٌ} ببواطن أحوالكم، فاجعلوا التقوى زادكم لدى معادكم، وقال (¬2) ابن الشيخ في "حواشيه": والنسب وإن كان معتبرًا عرفًا وشرعًا، حتى لا تتزوج الشريفة بالنبطي - نسبة إلى نبط محركًا، جيل ينزلن بالبطائح بين العراقين - إلا أنه لا عبرة به عند ظهور ما هو أعظم منه قدرًا وأعز، وهو الإيمان والتقوى، كما لا يظهر الكواكب عند طلوع الشمس فالفاسق وإن كان قرشي النسب، وقارون النشب (¬3) .. لا قدر له عند المؤمن المتقي، وإن كان عبدًا حبشيًا، والأمور التي يفتخر بها في الدنيا،
¬__________
(¬1) البحر المحيط.
(¬2) روح البيان.
(¬3) قارون النشب: مثل قارون في الغِنى.

الصفحة 382