كتاب تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (اسم الجزء: 28)

خافوا في تلك الحال فلأن يخافوا في سائر الأحوال والأوقات أولى.
يقول الفقير: الظاهر أنَّ هذا الكلام وارد على عرف الناس. فإنهم يقولون: شأننا بين قومنا وقبيلتنا كذا. فهم كانوا في الدنيا بين قبائلهم وعشائرهم على صفة الإشفاق. وفيه تعريض بأن بعض أهليهم لم يكونوا على صفتهم، ولذا صاروا محرومين. ويدلّ (¬1) على هذا أنّ الأهل يفسّر بالأزواج، والأولاد، وبالعبيد والإماء، وبالأقارب، وبالأصحاب، وبالمجموع. كما في "شرح المشارق لابن الملك".
أخرج البزّار عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا دخل أهل الجنة الجنة اشتاقوا إلى الإخوان، فيجيء سرير هذا حتى يحاذي سرير هذا، فيتحدّثان، فيتكيء ذا ويتكىء ذا، فيتحدثان بما كانوا في الدنيا، فيقول أحدهما لصاحبه: يا فلان أتدري أي يوم غفر الله لنا اليوم الذي كنّا في موضع كذا وكذا، فدعونا الله فغفر لنا، ثم فصل ما يجيب به بعضهم بعضا، فقال: {قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ} في الدنيا، ونحن بين أهلنا خائفين من ربنا مشفقين من عذابه وعقابه.

27 - {فَمَنَّ الله} سبحانه؛ أي: تفضل وأنعم {عَلَيْنَا} بالمغفرة والرحمة، أو بالهداية والتوفيق لطاعته.
يقول الفقير: الظاهر: أنّ المنَّ والإنعامَ إنَّما هو بالجنة ونعيمها، كما دلّ عليه قوله: {وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ}؛ أي: (¬2) حفظنا من عذاب النار النافذة في المسامّ؛ أي: ثقب الجسد كالمنخر، والفم، والأذن نفوذ السموم. وهي الريح الحارّة التي تدخل المسام. فأطلق على جهنم لنفوذ حرّها في المسام كالسموم. وقرأ أبو حيوة {ووقّانا} بتشديد القاف.
روي: أنَّ عائشة قالت: لو فتح الله على أهل الأرض من عذاب السموم قدر الأنملة لأحرقت الأرض ومن عليها.

28 - ثم تمموا العلة في استحقاقهم للكرامة في تلك الدار بقولهم: {إِنَّا كُنَّا} في الدنيا {مِنْ قَبْلُ}؛ أي: من قبل لقاء الله سبحانه، والمصير إليه {نَدْعُوهُ}، أي:
¬__________
(¬1) روح البيان.
(¬2) روح البيان.

الصفحة 64