كتاب حاشيه الشهاب علي تفسير البيضاوي =عنايه القاضي وكفاية الراضي (اسم الجزء: 2)

أقحم يكاد إشارة إلى ما نقل عن الكسائي أنه يكون منادى فيقال: يا سبحان الله، وأمّا قوله أجرى علماً للتسبيح أي علم جنس للمعنى كما قالوا شعوب للمنية وفجار للفجرة فتابع فيه الزمخشري في المفصل حيث قال: سموا التسبيح بسبحان وقال ابن الحاجب في شرحه: قيل: هذا ليس بمستقيم لأنّ سبحان ليس اسما للتسبيح لأنه مصدرش ح ومعنى سبح: قال سبحان الله فمدلوله لفظ ومدلول سبحان تنزبه وهو معنى لا لفظ فتبين أنه ليس علماً للتسبيح وأجيب بأنه لو لم يرد التسبيح بمعنى التنزيه لكان كذلك وأمّا
إذا ورد فلا إشكال والذي يدل على أنه علم قوله:
سبحان من علقمة الفاخر
ولولا أنه علم لوجب صرفه لأن الألف والنون في غير الصفات إنما تمنع مع العلمية ولا يستعمل سبحان علما إلا شاذاً وأكثر استعماله مضافاً وإذا كان مضافاً فليس بعلم لأنّ الأعلام لا تضاف لتعريفها وقيل إنّ سبحان في البيت على حذف المضاف إليه يعني سبحان الله وهو مراد للعلم به، وقيل: إنه مضاف لعلقمة ومن زائدة والمراد التهكم به وهو في قوله:
سبحانه ثم سبحانا نعوذ به وقبلنا سبح الجودي والحمد
مصروف عند سيبويه رحمه الله للضرورة اهـ. والحاصل أنّ القول بعلميته لا داير له إلا استعماله ممنوعا من الصرف وهو مع شذوذ يجوز تخريجه على وجوه أخر، وقد سمع خلافه وادّعى سيبويه رحمه الله تعالى أنه ضرووة مقابل بالمثل وقال ابن يعيش رحمه الله سبحان علم واقع على معنى التسبيح وهو مصدر معناه البراءة والتنزيه وليس منه فعل وإنما هو واقع موقع التسبيح الذي هو المصدر في الحقيقة جعل علماً على هذا المعنى فهو معرفة لا ينصرف فإن أضفته يصير معرفة بالإضافة وقوله بإضمار فعله هذا بناء على أنه له فعل إمّا مخفف أو مشدد على الخلاف فيه فإن لم يكن له فعل يقدر ما هو معناه، وإذا أضيف فليس بعلم خلافاً للزمخشري ولا حاجة إلى القول بأنه نكر وأضيف إذ لم يعهد تنكير أعلام الأجناس لأنها في المعنى نكرة وعلميتها للضرورة، وقد جاء بالألف واللام في قوله:
سبحانك اللهم ذا السبحان
وفيه شذوذ آخر لخروجه من النصب على المصدرية. قوله: (سبحان من علقمة الفاخر)
هو من قصيدة للأعشى وسببها أنه لما فاخر علقمة بن علاثة ابن عمه عامر بن الطفيل العامريين وكان علقمة كريماً رئيسا وعامر عاهراً سفيهاً ساقا إبلا لينحرها المقرّ له فهاب حكام العرب أن يحكموا بينهما بشيء فأتيا هرم بن قطنة بن سنان فقال: أنتما كركبتي البعير تقعالت معا وتنهضان معاً قالا فأين اليمين قال كلا كما يمين فأمّا ما سنة لا يجسر أحد أن يحكم بينهما ثم إنّ الأعشى وصل إلى علقمة مستجيراً فقال: أجيرك من الأسود والأحمر، قال ومن الموت قال: لا فأتى عامراً فقال له: مثل ذلك، فقال: ومن الموت قال: نعم قال: وكيف قال: إن مت في جواري وديتك فبلغ ذلك علقمة فقال لو علمت أنّ ذلك مراده لهان عليّ فركب الأعشى ناقته ووقف في نادي القوم وأنشدهم قوله يهجو علقمة وينفر عليه عامراً أي يفضله:
شاقتك من قبلة أطلالها بالشط فالجزع إلى حاجر
حتى إذا بلغ إلى قوله في القصيدة:
ياعجباللدهر إذ سويا كماضاحك منه ومن ساخر
إنّ الذي فيه تماريتما بين للسامع والناظر
ما جعل الجد الظنون الذي جنب صوب اللجب الماطر
مثل الفراتيّ إذا ما جرى يقذف بالبوصيّ والماهر
أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر
علقم لاتسفه ولاتجعلن عرضك للوارد والصادر
الخ. والفاخر بالخاء الفوقية ذو الفخر وقيل: أراد سبحان الله على معنى التعجب ولا شاهد فيه لما مر ويحتمل أنه بناه لأنه لما أراد به ا! تعجب أجراه مجرى اسم الفعل في البناء. قوله: (وتصدير الكلام الخ) يعني أنهم لما نزهوه عما لا يليق بالحكمة دل على أن الاستخلاف لا ينبغي السؤال عنه وأنهم غير عالمين بما فيه من الحكم

الصفحة 127