كتاب حاشيه الشهاب علي تفسير البيضاوي =عنايه القاضي وكفاية الراضي (اسم الجزء: 2)

الظرف الأول منصوب حينئذ بقالوا فلا يصح عطفه عليه لأنّ قولهم ذاك ليس وقت أمرهم
بالسجود بل مقدّم عليه ولا يرد هذا على الأوّل كما توهم فتأمل. ولما قدّروه خبرا قال: إنه على هذا من عطف القصة قيل لئلا يلزم عطف الخبر على الإنشاء وردّ بأنه فاسد لأنّ كليتهما خبرية بل لأنّ مضمون هذه القصة نعمة رابعة مستقلة فناسب أن يعطف على مضمون القصة السابقة التي هي أيضا نعمة مستقلة فتأمل وباسرها يعني جميعها وأصله ما ربط به الأسير فإذا سلم به فقد سلم جميعا. قوله: (والسجود في الأصل تذلل مع تطامن) أي انخفاض! ولو بالانحناء وغيره كما في الشعر المذكور وهو لزيد الخيل لما أغار على بني عامر فقتل منهم وأسر وقال:
بني عامر هل تعرفون إذا بدا أبا مكنف قد شد عقد الدوائر
بجمع تضل البلق في حجراته ترى اكم فيه سجداللحوافر
وجمع كمثل الليل مرتجز الوغى كثير حواشيه سريع البوادر
أبت عادة للورد أن تكره القنا وحاجة رمحي في غير بن عامر
ومعناه أن خيله لكثرتها لا ترى البلق منها فيها وأنها تحفر ا! م والروابي التي تحتها
لشدة عدوها فجعلها لانخفاضها كأنها سجدت لحوافر خيله وهو شاهد لكونه بمعنى مطلق الانخفاض! لا مع التذلل لأنها لا تعقل فتذل إلا أن يكون ادّعاء أو التذلل أعم من الذل، وخيل مذللة أي سهلة وهو بعيد، وقيل: المراد أنك تجد خيلنا تستعلي على الأماكن المرتفعة ولا تستعصي عليها فكأنها مطيعة لها: وا! م بالسكون للتخفيف جمع أكمة وهي المرتفع من الأرض وليس تسكينها ضرورة وسجد! جمع ساجد، والحوافر جمع حافر وهو في الفرس ونحوه معروف. قوله: (وقلن له اسجد لليلي فأسجدا) هو لأعرابي من بني أسد وقيل: هو من شعر لحميد بن ثور وأوّله:
فقدن لها وهما أبيا خطامه
وقلن الخ روي بالواو وبالفاء واسجد بوزن أكرم بقطع الهمزة بمعنى طأطأ رأسه ليركب،
وقال ابن فارس في فقه اللغة: إن العرب لا تعرف السجود إلا بمعنى الطأطأة والانحناء تقول أسجد الرجل إذا فعل ذلك وأمّا في الشرع فوضمع الجبهة على الأرض قصدا للعبادة فلا يكون حقيقة إلا لله لأنه المعبود حتى قال الإمام رحمه الله تعالى: أنه لغيره تعالى كفر فلذلك أولوه
هنا إن أريد به معناه الشرعي بأن السجود لله وآدم عليه السلام جعله قبلة وجهة له كالكعبة واعترض عليه بأنه لو كان لله ما امتنع إبليس عنه إذ لا فرق بين كون آدم عليه الصلاة والسلام لبله وغيره وبانه لا يدل على تفضيله عليهم وقوله أرأيتك هذا الذي كزمت عليّ يدل عليه ألا ترى أن الكعبة ليست بأكرم ممن سجد إليها كالنبيّ صلى الله عليه وسلم فتعين كونها سجدة تحية، ولك أن تقول لخصيصط جعله جهة لها دونهم يقتضي ذلك وسيأتي في كلامه ما يدفعه أيضا فتأمّل. قوله: (أو سببا لوجوبه) كما جعل لوقت سببا لوجوب الصلاة والبيت سببا لوجوب الحج ثم بين وجه كونه قبلة وسببا على وجه يقتضي تعظيمه بقوله فكأنه تعالى الخ. أي أنه خلقه في أحسن تقويم وجعل فيه مثالاً من كل موجود فمن العالم الروحاني وهم الملائكة العقل والعبادة ومن الجسمانيّ التركيب من العناصر فكان ذريعة أي وسيلة إلى تكميل علمهم بانبائهم ومشاهدتهم لحكمته في مخلوقاته وتمييز بعضهم عن بعض بمعرفة المطيع من غيره فاللام على كونه بمعنى القبلة بمعنى إلى كما في قول حسان رضي الله تعالى عنه أليس أوّل إلى آخره وهو حضرة عليّ رضي الله تعالى عنه وقبله:
ماكنت أحسب هذا الأمرمنصرفاً عن هاشم ثم منها عن أبي حسن
والسنن جمع سنة وعلى الثاني للسببية كما في قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} وأنموذج قال في القاموس: أنه لحن والصواب نموذج بفتح النون وهو مثال الشيء معرب نمونه او نموذة أو نموذان وأصل معناه صورة تتخذ على مثال صورة الشيء ليعرف منه حاله ولم تعرّبه العرب قديما وتبع فيه الصاغاني وتبعه هنا بعض أرباب الحواشي وليس كذلك قال في المصباح المنير الأنموذج بضم الهمزة مثال الشيء معرب

الصفحة 130