كتاب حاشيه الشهاب علي تفسير البيضاوي =عنايه القاضي وكفاية الراضي (اسم الجزء: 2)
وان أنكره الصاغاني، ومنهم من جوّز أن يكون المسجود له آدم عليه الصلاة والسلام حقيقة وأن السجود للمخلوق إنما منع في شرعنا ويجوز أن لا يكون كفراً في شريعة من قبلنا وحمل عليه قول الزمخشري: يجوز أن يختلف باختلاف
الأحوال والأوقات وقيل: إنه مخالف لإجماع المفسرين ولذا تركه المصنف وفيه نظر. قوله: (وأمّا المعنى اللغوي وهو التواضع الخ) معطوف على قوله: إما المعنى الشرعي فالمراد به مطلق الانخفاض ولو بالانحناء وكانت التحية بالانحناء فلما جاء الإسلام أبطله بالسلام فصار حراماً نص عليه الثعالبي والفقهاء قال القرطبي رحمه الله اختلف الناس في كيفية سجود الملائكة لآدم عليه الصلاة والسلام بعد اتفاقهم على أنه ليس سجود عبادة فقال الجمهور: كان بوضع الجباه على الأرض! كسجود الصلاة لأنه المتبادر منه لأنه كان تكرمة لآدم عليه الصلاة والسلام وطاعة لله وكان آدم عليه الصلاة والسلام لهم كالقبلة لنا، وقال قوم لم يكن بوضع الجباه بل كان مجرّد تذلل وانقياد ثم اختلف القائلون بالأوّل فقيل: كان ذلك السجود خاصا بآدم عليه الصلاة والسلام لم يجز لغيره وقيل: كان جائزا بعده إلى زمان يعقوب عليه الصلاة والسلام لقوله وخروا له سجدا وكان آخر ما أبيح من السجود للمخلوق وأكثر على أنه كان مباحا إلى عصر نبينا صلى الله عليه وسلم وقد نقله القائل أوّلاً بأنه مخالف لإجماع المفسرين وهو عجيب منه. قوله: (أو التذلل والانقياد الخ (لا الانحناء وضمير معاشهم وكمالهم راجع إلى آدم عليه الصلاة والسلام وبنيه المفهوم من الكلام لا إلى الملائكة كما يتوهم إذ لا يصح إضافة المعاس إليهم والمراد منه حينئذ أمر الملائكة بالسعي في أمورهم فإنّ بعض الملائكة حفظة وبعضهم موكل بالرزق ونحو ذلك.
تنبيه: من لم يعرف اللغة يستغرب أسجد بزنة أكرم كقوله:
فقلن له اسجد لليلي فاسجدا
كما ذكره المصنف رحمه الله وهو كثير في كلامهم كما في أدب الكاتب ولكنهم اختلفوا
فيه هل بينهما فرق أم لا وفي شرحه لابن السيد وغيره سجد معروف وأسجد بمعنى أنحني وقد فسر به قوله تعالى: {ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً} لأنهم لم يؤمروا بالدخوأسا على جباههم وإنما أمروا بالانحناء ويحتمل أنه حال مقدرة وقال أبو عمرو: السجود عند العرب الانحناء قيل: ومنه قوله تعالى: {اسْجُدُواْ لآدَمَ} فإنه سجود تحية بمعنى الانحناء وقال ابن حيوة القصري يقال سجد إذا وضع جبهته على الأرض وس! ف وأسجد إذا طاطأ رأسه وانحنى واسجد أدام النظر قال كثير:
أغرّك منا أنّ ذلك عندنا واسجاد عينيك الصيود بن رابح
انتهى فالسجود في أصل اللغة يكون بمعنى الركوع. قوله: {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} استئناف جواب لمن قال: ما فعل وقال أبو البقاء: إنه في موضع نصب على الحال أي آبيا مستكبرا
والإباء الامتناع باختيار أي مع تمكنه من الفعل فهو أبلغ منه وان أفاد فائدته ولذا صح بعده الاستثناء المفرّغ واستكبار بمعنى التكبر وقدم الإباء عليه وإن كان متأخرا عنه في الرتبة لأله من الأحوال الظاهرة بخلاف الاستكبار فإنه نفسانيّ وأصل معنى التشبع تكلف الشبع ثم تجوز به عن التحلي بغير ما فيه، وقوله من أن يتخذه وصلة الخ راجع إلى جعله قبلة، وقوله أو بعظمه بناء على أنه تحية وقوله أو يخدمه الخ رأجع إلى الوجه الأخير وهو ظاهر. قوله: (في علم الله او صار الخ) إنما أوّلت الآية بما ذكر لأنه لم يحكم بكفره قبل ذلك ولم يجر منه ما يقتضيه فإقا أن يكون التعبير بكان باعتبار ما سبق من علم الله بكفره وتقديره ذلك وقيل: كان بمعنى صار وهو مما أثبته بعض النحاة وردّة ابن فورك وقال تردّه الأصول ولأنه كان الظاهر حينئذ فكان بالفاء والأظهر أنها على بابها والمعنى وكان من القوم الكافرين الذين كانوا في الأرض قبل خلق آدم فيكون كقوله: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} أو كان في علم الله وقوله باستقباحه بيان لكفره متعلق به على الوجهين وقيل إنه متعلق بصار أي تحوّل وانقلب حاله إلى الكفر بسبب استقباحه وانكاره كفره قكيف استقباحه وأنه ردّ على الراغب في قوله إنه ليس بمعنى صاروا لمضي باعتبار زمان الأخبار أو لأنّ الكفر لما أحبط ما قبله صار كأنه كافر قبل ذلك وهو تكلف لا دليل عليه، وقوله والتوسل به في نسخة أو وهو