كتاب حاشيه الشهاب علي تفسير البيضاوي =عنايه القاضي وكفاية الراضي (اسم الجزء: 2)

إشارة إلى كونه قبلة وفيه نظر، ثم إنّ جواب الراغب مبنيّ على اعتبار زمان التكلم والإخبار وكذا من قال: معترضا على المصنف رحمه الله: كان إنما تدلّ على كون المذكور بعده واقعا في وقت من الأوقات الماضية أيّ وقت كان وذلك متحقق في كفره لأنه كفر وقت إبائه وهو ماض بالنظر إلى قوله كما أشار إليه في الكشاف وشرحه في سورة ص، وقوله لا بترك الواجب فإنه لا يوجب الكفر في ملتنا ولم يعلم إيجابه قبل ذلك وفيه نظر. قوله: (والآية تدل على أنّ آدم الخ) قيل: عليه هذا إذا كان السجود له أمّا إذا جعل قبلة فلا دلالة عليه وكذا إذا كان تحية كالسلام وأجيب بأن جعل الكعبة قبلة يدل على كونها أفضل البقاع فجعل آدم قبلة دون غيره يدلّ على كونه أفضل، وقيل: إنه مأخوذ من التعليم لآنه المعروف فيه فالأنسب جمعه مع فوائد الآية، وقوله ولو من وجه لأنه لا يلزم التفضيل من كل الوجوه إذ قد يفضلون بالقرب ونحوه، وعليه يحمل ما يقع من تفضيلهم والخلاف فيه مشهور
وقال فخر الإسلام أنه لا طائل تحته والأحسن الكف عنه وما ذكره المصنف رحمه الله فيه إشارة إلى هذا وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى، وقوله وأنّ إبليس كان من الملائكة لأنه استثناه منهم ودخوله في الأمر يدل على ذلك وقد نقل عن ابن عباس وغيره وكونه منقطعا ونحوه خلاف المتبادر فمعنى قوله ولم يصح يعني على الاتصال المتبادر وأما قوله: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ} الآية فتنافي هذا بحسب الظاهر فأوّلها المصنف رحمه الله بأنه منهم فعلاً لا نوعاً كما قال الشاعر:
نحن قوم بالجن في زيّ ناص
لكنه استبعد بأنه رتب على كونه من الجن فعلهم بقوله ففسق وبأنه مخالف لما سيذكره
في تفسير الآية من أنها دالة على أن الملائكة لا تعصى البتة فهو جني في أصله، وقال علم الهدى: يحتمل أن يكون المعنى أنه صار من الجن بعدما كان ملكا بأن مسخ كما مسخ بعض بني آدم قردة وهو قول ثالث غريب وما رواه عن ابن عباس رضي الله عنهما من أن الملائكة نوعان نوع مجرّدون مطهرون ونوع ليسوا كذلك يناسب قوله فيما سيأتي ولعل ضربا من الملائكة الخ وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. قوله: (ولمن زعم أنه لم يكن من الملانكة الخ الما تعارضت النصوص فاقتضى بعضها كون إبليس من الجن وبعضها كونه من الملائكة احتاجوا إلى التأويل في أحد الطرفين فاختار المصنف أنه من الملائكة والزمخشرفي أنه من الجن فأشار إلى ضعفه بالتعبير بالزعم وهم يقولون إنه جني سبته الملائكة فأقام معهم فغلبوا عليه لكثرتهم وشرفهم فالاستثناء متصل أيضاً قيل: لأنّ العبرة بالدخول في الحكم لا في حقيقة اللفظ فمن قال إنّ الاستثناء متصل إن كان من الملائكة ومنقطع إن لم يكن منهم لم يصب، وهذا ردّ على السعد وغيره وليس بوارد قال القرافي في العقد المنظوم النحاة وأهل الأصول يقولون المنقطع المستثنى من غير جنسه والمتصل المستثنى من جنسه وهو غلط فيهما فإنّ قوله تعالى: {لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ} [سورة البقرة، الآية: 188] من جنس ما قبله وكذا قوله: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [سورة الدخان، الآية: 56] وهو منقطع فبطل الحدّان وكذا {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا} والحق أن المتصل ما حكم فيه على جنس ما حكمت عليه أوّلاً بنقيض ما حكمت به ولا بذ من هذين القيدين فمتى انخرم أحدهما فهو منقطع بأن كان غير الجنس سواء حكم عليه بنقيضه
أولاً، نحو رأيت القوم إلا فرساً فالمنقطع نوعان والمتصل نوع واحد ويكون المنقطع كنقيض المتصل فان نقيض المركب بعدم أجزائه، فقوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ} [سورة الدخان، الآية: 56] منقطع بسبب الحكم بغير النقيض لأنّ نقيضه ذا قوة فيها وليس " كذلك وكذلك إلا أن تكون تجارة لأنها لا تؤكل بالباطل بل بحق وكذلك إلا خطأ لأنه ليس له القتل مطلقاً والا لكان مباحا فتنوع المنقطع إلى ثلاثة أنواع الحكم على الجنس بغير النقيض والحكم على غيره به أو بغيره والمتصلى نوع واحد فهذا هو الضابط فما نحن فيه منقطع إن لم يكن منهم فتأمّل. قوله: (أو الجن كانوا أيضا مأمورين الخ (قيل: الفرق بينه وبين الوجه الأوّل أن التغليب في الأوّل على إبليس فقط وفي هذا على الجن المطلق الداخل فيه إبليس، وكان يحتمل أن يكون الثاني من قبيل دلالة النص لولا قوله والضمير في فسجدوا راجع إلى القبيلين وعلى المادير يكون الاستثناء متصلا

الصفحة 132