كتاب حاشيه الشهاب علي تفسير البيضاوي =عنايه القاضي وكفاية الراضي (اسم الجزء: 2)

الفوائد لأنّ فيها إشارة إليها ولا تدلّ عليها ألا ترى أنّ الآية لا تدل على مطلق الاستكبار، ومطلق الأمر وكذا الدلالة على الوجوب إنما تعلم من قوله أفعصيت أمري ونحوه مما هو خارج عنها فلا يرد ما قيل: إنّ كفر إبليس ليس لمخالفة الأمر بل لاستقباح أمره وهو كفر فتأمّله، وكذا دلالتها على أنّ الكافر حقيقة من علم الله موته على الكفر وهو مأخوذ من قوله من الكافرين إذ المراد به أنه في علمه الأزاي كذلك وهذه مسألة الموافاة ومعناها أنّ العبرة بالإيمان الذي يوافي العبد عليه أي يأتي متصفاً به في آخر حياته وأوّل منازل آخرته، ومن فروع هذه المسألة أنه يصح أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله وحيث أطلقت مسألة الموافاة فالمراد بها ذلك وهي مما اختلف فيها الشافعية والحنفية والأشعرية والماتريدية وللسبكي فيها تأليف مستقل وينبني عليها مسألة الإحباط في الأعمال بالردّة وقوله إذ العبرة بالخواتم وفي نسخة بالخواتيم بالياء والقياس الأوّل لأنه جمع خاتمة وروي في الحديث الصحيح: " الأعمال بالخواتيم " وهذا مما جوّزه بعض النحاة في جمع فاعل بالإشباع.
تنبيه: مسألة الموافاة من أمّهات المسائلى وفصلها النسفيّ في شرح التمهيد فقال ما حاصله إنّ الشافعيّ رحمه الله تعالى يقول إق الشقي شقيّ في بطن أمه وكذا السعيد فلا تبديل في ذلك ويظهر ذلك عند الموت ولقاء الله وهو معنى الموافاة والماتريدية رحمهم الله يقولون: {يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ} فيصير السعيد شقياً والشقيّ سعيداً إلا أنهم يقولون من مات مسلماً
مخلد في الجنة ومن مات ك افراً مخلد في العذاب باتفاق الفريقين فلا ثمرة للخلاف أصلاً إلا أن يقال: إن من كان مسلماً وورث أباه المسلم إذا مات كافراً يردّ ما أخذه على بقية الورثة المسلمين وكذا الكافر وتبطل جميع أعماله والمنقول في المذهب خلافه فحينئذ لا ثمرة له إلا أنه يصح منه أن يقولط أنا مؤمن إن شاء الله بقصد التعليق في المستقبل حتى لا يكون شكا في الإيمان حالاً ولا حاجة لتأويله والماتريدية يمنعون ذلك مطلقاً. قوله: (السكنى من السكون الخ) يعني أنّ اسكن أمر من السكنى بمعنى اتخاذ المسكن لا من السكون بمعنى ترك الحركة ولذا ذكر متعلقه بدون في إلا أنّ مرجع السكنى إلى السكون وتأكيد ضمير اسكن المستتر بأنت لئلا يلزم العطف على الضمير المتصل بلا فصل وهو ممتنع في فصيح الكلام وصحة أمر الغائب بصيغة أفعل للتغليب مثل أنا وزيد فعلنا وايثاره على اسكنا للإشعار بالأصالة والتبعية هكذا قاله قدس سرّه: يعني أنّ السكون والسكنى من أصل واحد وأنّ المقصود هنا هو الثاني والجنة مفعول به لأنّ معناه أتخذ الجنة مسكنا وأمّا إذا كان من السكون فهو مفعول فيه فيجب إظهار في لأنه ليس بمكان مبهم وأنّ التأكيد ليصح العطف إذ شرطه الفصل سواء كان بتأكيد أو غيره وزوجك اسم ظاهر، وهو من قبيل الغيبة وأسكن أمر للمخاطب المذكر فلا يصح جعله مأمورا به ولذا قدّر فيه بعضهم وليسكن زوجك وجعله من عطف الجمل لأنه لا يصح هنا حلول المعطوف محل المعطوف عليه والمجوّز له قال: هو ليس بلازم كما يصح تقوم هند وزيد بلا خلاف وجعلوه تغليبا بل تغليبين لأنه غلب فيه المخاطب على الغائب والمذكر على المؤنث إلا أنّ هذا التغليب خفاء مع أنه يلزم فيه تغليب المؤنث على المذكر في نحو تقوم هند وزيد إذ معنى السكون والأمر موجود فيهما حقيقة، والتغليب من المجاز فإمّا أن يلتزم أنه قد يكون مجازا غير لغويّ بأن يكون التجوّز في الإسناد أو يقال: إنه لغويّ لأنّ صيغة هذا الأمر للمخاطب وقد استعملت في الأعمّ منه فتأمّل ثم إنّ المذكور في المعاني أنّ التأكيد لتقرير النسبة ونحوه ولم يذكروا من فوائده تصحيح العطف ولا ضير فيه لأنه أمر لفظيّ تكفل به النحو وقد جوّز في هذا الأمر أن يكون من السكون أيضا لكنه مرجوح لمنافاته لقوله حيث شئتما واحتياجه إلى التجوّز ونكتة التغليب ما ذكروه من الدلالة على التبعية، وأمّا كون نصبه على أنه مفعول معه ففيه نظر ظاهر مع أنه ليس بلازم سلوك أحد الطريقين المتساويين ثم إنّ الأمر والنهي في هذه الآية منسوخان بقوله اهبطوا. قوله: (والجنة دار الثواب الخ) أي التي لا يقع الثواب الحقيقي إلا فيها وكون التعريف للعهد لأنها معلومة لهم ولغيرهم لأنها المتبادرة عند الإطلاق ولسبق

الصفحة 134