كتاب حاشيه الشهاب علي تفسير البيضاوي =عنايه القاضي وكفاية الراضي (اسم الجزء: 2)

يا نفس ما لك دون الله من واقي وما للسع بنات الدهر من راقي
وهو شاهد على كون دون تدلّ على تخطي حكم لآخر ومعناه ما لك إن تجاوزت عن الله وحفظه من واق أي حافظ يقيك ما يضرك وبنات الدهر مصائبه التي تحدث فيه كأنه يلدها كما قيل:
الليلة حبلى لست تدري ما تلد
وهي استعارة رائعة شائعة كما قلت:
بنات الزمان مصيباته وفيها الكريم شديد الثبات وكتمانها مثل دفن لها ودفن البنات من المكرمات
وقد شبهها بعد التشبيه بالبنات بالحيات على طريق الاستعارة المكنية وأثبت لها اللسع تخييلا وكذا الرقية على نهج قوله تعالى: {فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ} [سورة النحل، الآية: 12 ا] وهي في الذروة العليا من البلاغة، وأشار المصنف رحمه الله بقوله غيره إلى أنها قريبة من أدوات الاستثناء كما ستراه وقد مرّت الإشارة إليه أيضاً. قوله: (ومن متعلقة بادعوا الخ) قد ذكر الشيخنا في تعلق من دون الله ستة أوجه ثلاثة على تعلق من بالشهداء وثلاثة على تعلقها بادعوا وهي خمسة معنى كما سيأتي وقد اختلفا في ترتيجها فقدّم الزمخشري تعلقه بالشهداء لتبادره بقربه، وقيل لما فيه من إبقاء الشهادة على معناها الحقيقي وأخر ثالث الأوّل لجواز التعلق فيه بادعوا فيرتبط بما بعدهـ وما قبله ويقع في محزه، وهذا أيضاً دائر على معنى الشهيد من كونه بمعنى الحاضر والمعين والناصر أو من يؤدّي الشهادة كما مرّ. وسيبين لك كل في محله والمصنف رحمه الله عكس ترتيب الكشاف رعاية لتقديم ما هو أقرب وأقوى عنده بحسب المعنى ولنبين لك هذه الوجوه أولاً مراعين لترتيب الكشاف ثم تنزل كلام المصنف عليه فنقول إنهم قالوا: إنّ الأمر على الوجهين الأوّلين للتهكم وعلى الثالث والرابع للاستدراج وعلى الأخيرين للتبكيت والتعجيز والظرف على الثاني لغو معمول لشهداءكم لأنه يكفيه رائحة الفعل
وعلى البواقي هو مستقرّ حال فعلى أوّل ثلاثة التعلق بالشهداء معناه ادعوا الذين اتخذتم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة بأنكم على الحق، وعلى الثاني ادعوا الذين يشهدون لكم بين يدي الله ودون بمعنى قدّام كما في بيت الأعشى وفي أمرهم بالاستظهار بالجماد في معارضة المعجز تهكم إلى الغاية، وعبر عن الأصنام بالشهداء ترشيحا للتهكم بتذكير معتقدهم في نفعها لهم بالشهادة أي هؤلاء عمدتكم وملاذكم فادعوهم لهذه العظيمة النازلة بكم وادعوا بمعنى أحضرو! كناية أو مجاز عن الاستظهار والاستعانة قيل والمعنى استظهروا في معارضة القرآن وادعوا أصنامكم الذين تزعمون أنهم يشهدون يوم القيامة لا الله أو بين يدي الله أنكم على الحق، وقال قدس سرّه دون على الأوّل بمعنى التجاوز ظرفث مستقرّ حال ما دل عليه الشهداء أي الذين اتخذتموهم آلهة متجاوزين الله في اتخاذها، كذلك وزعمتم انهم شهداؤكم يوم القيامة ومن ابتدائة، وما قيل من أنّ المعنى ادعوا أصنامكم الخ بين الفساد يعني ما في شرح السعد مما سمعته آنفاً فاسد وقد نوّره الحفيد بأنّ قوله لا الله في أكثر النسخ منصوب فهو معطوف على أصنامكم وهو مفعول ادعوا فيلزمه تعلق من دون بادعوا والمدعي خلافه، ولذا قيل الصواب رفعه عطفاً على فاعل يشهدون بغير تأكيد للفاصل أي يشهدون كائنين في تجاوز الله ومن بمعنى في والكائن في التجاوز متجاوز فالمعنى متجاوزين الله في حق الشهادة أي متباعدين عنه في صفتها وهو بحسب المعنى استثناء منقطع من فاعل يشهدون وهو ضمير الأصنام، ولك أن تقول إنه على النصب معطوف على اسم أنّ فالمعنى أنهم يشهدون منفردين عن الله إذ المراد بالتعلق التعلق المعنويّ لا الصناقي كما مرّ (بقي) أنه قيل إن الله يشهد أيضاً كالأصنام في زعمهم كما صرّحوا به والذي في الكشاف في تفسير الآية لا يفهم منها أصلا لأن من دون الله متعلق بالشهداء لا بما ذكره في تأويله والجواب عن الأوّل أنه اعتبر مع الله قيد الفرد لا مطلقا أو يقال إنهم وإن استشهدوا الله فهو لا يشهد لهم وما في الكشاف بيان لما صدق عليه من الأصنام ومن دون الله من كلام القائل لا من النظم، وثالث الوجوه المتعلقة بالشهداء ما أشار إليه الزمخشريّ بقوله: ادعوا شهداءكم من دون الله أي من دون أوليائه ومن غير المؤمنين ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله على

الصفحة 41