كتاب حاشيه الشهاب علي تفسير البيضاوي =عنايه القاضي وكفاية الراضي (اسم الجزء: 2)

بغاية الصفاء وأنها تريك القذى قدّامها والحال أنها قدام القذى والضمير في ذاقها باعتبار ما فيها على قياس قولك شربت كأسا والأوّل باعتبار نفسها حذوا فيه حذوا لكشف وهو تبع الأزهري في قوله: لا يريد أنّ هنالك قذى وإنما يريد أن يصف صفاء الزجاجة ويبالغ فيه وعليه ففيه تجوّزوا استخدام لطيف لكن يأباه أنه لم يسبق للزجاجة ذكر في هذا الشعر، وإنما الضمير فيهما للصهباء بمعنى الخمر وهو وصف لها أيضاً بغاية الرقة والصفاء-ضى كات ما تحتها فوقها وما خلفها قدّامها والتبكيت التقريع والغلبة بالحجة وقريب منه ما قيل إنه الإسكات والتهكم الاستهزاء وهو المراد وله معان أخر وهو في قول الحماسيّ:
سرى الليلة الظلماء لم يتهكم
بمعنى لم يخطئ والتهكم في غير هذا التندّم وقيل معنى لم يتهكم لم يتميز عليهم والتهكم التكذب على ما فصل في شروح الحماسة وقد مرّ بيان ما هنا فتذكر. قوله: (وقيل من دون الله الخ) بتقدير مضاف ليقابل أولياء الأصنام كما يقابل الله أصنامهم والأمر كما مرّ لإرخاء العنان والاستدراج إلى غاية التبكيت أي تركنا إلزامكم بشهداء لا يميلون لأحد الجانبين كما هو العادة واكتفينا بشهدائكم المعروفين بمعاونتكم من الفصحاء والرؤساء فإن شهدوا لكم قبلنا شهادتهم مع أنهم لا يفعلون ما يشهد العقل بخلافه لبلوغ أمر الإعجاز إلى حد لا يخفى فالشهداء بمعنى الرؤساء وهو ناظر لتفسيره بالإمام والظرف حاله معلوم والوجوه مستعار من الجارحة للرؤساء والمشاهد جمع مشهد وهو المجلس الذي يشهده الناس ويحضره الكبار. قيل ولما لم تقم قرينة على هذا التقدير ولا ضرورة فيه ضعفه المصنف رحمه الله تعالى وقيل: لأنه يؤذن بعدم شمول! التحدي لأولئك الرؤساء وليس بشيء، وقد قيل أنّ تخصيص التمريض بهذا الوجه مع ظهور ضعف غيره من الوجوه لا وجه له وهذا الوجه مشترك بين التعلق بادعوا وبالشهداء عند الزمخشرفي وبما قصصناه عرفت استيفاء المصنف لجميع الوجوه وأن قيل إنه ترك سادسها فتنبه. قوله: (إنه من كلام البشر الخ) أي في أنه والجار يطرد تقديره مع أن وأن كما لا يخفى أي إن كنتم صادقين في أنه من كلام البشر أو في أنكم تقدرون على معارضته فافعلوا أو فأتوا بمقدار أقصر سورة منه وهذا معنى قوله إنّ جواب أن الشرطية محذوف لدلالة ما قبله عليه وهو جواب الشرط الأوّل وليس الجواب المقدم جوابا لهما ولا متنازعا فيه كما لا يخفى وذكر التنازع هنا لغو من القول. فإن قلت لم يذكر فيما سبق ادّعاؤهم أنه من كلام البثر بل ارتيابهم وشكهم فيه والشك من قبيل التصوّر الذي لا يجري فيه صدق وكذب بلا شك
والقول بأنّ المراد إن كنتم صادقين في احتمال كونه من كلام البشر لا يدفع السؤال لأنّ الاحتمال شك مع ما فيه من التكلف وكذا ما قيل من أنهم كانوا منكرين لأنه من كلام الله لكن نزل إنكارهم منزلة الشك لأنه لا مستند له فلذا صدر بكلمة الشك وكذا القول بأنهم عالمون بأنه كلام الله لكنهم يظهرون الريب فقيل لهم إن كنتم صادقين في دعوى الريب فهاتوا ما يصلح الريب كأقصر سورة قلت المراد من النظم الكريم والله أعلم الترقي في إلزام الحجة وتوضيح الحجة فالمعنى إن ارتبتم فاتوأ بنظيره ليزول ريبكم ويظهر لكم أنكم أصبتم فيما خطر على بالكم وحينئذ فإن صدقت مقالتكم في أنه مفتري فأظهروها ولا تخافوا فإن قلت لم لم يقل فإن ارتبتم وهو أظهر وأخصر. قلت عدل عنه لابلغيته بدلالنه على تمكنهم وانغماسهم فيه. ؤما قيل من أنّ تقدير الجواب كلام نحويّ لا يرضاه أهل المعاني وقد جعلوا نحو قوله:
كأنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أنّ المنتاى عنك واسع
من المساواة كلام واه وغفلة عن أنّ الممنوع تقدير جوابه أن الوصلية وهي لا تكون بدون
وأو ولأنّ الجواب بعينه فيما ذكر تقدم فلا يحتاج لجواب وما هنا ليس كذلك. قوله: (والصدق الإخبار المطابق) أي الصدق الواقع صفة للمتكلم وفي الصدق والكذب مطلقاً ثلاثة مذاهب مشهورة كما بين في كتب المعاني وثبوت الواسطة بينهما وعدمها المبنيّ على الخلاف ظاهر وأصحها أنه مطابقة الواقع وهو نفس الأمر وقد يعبر عنه بالخارج وان كان تد يخص بالمحسوس والمراد بقوله: الإخبار المطابق للمخبر

الصفحة 45