كتاب حاشيه الشهاب علي تفسير البيضاوي =عنايه القاضي وكفاية الراضي (اسم الجزء: 2)
عنه في الواقع وتركه لظهوره. قوله: (وقيل مع اعتقاد المخبر) على زنة اسم الفاعل أي الصدق يتحقق بمطابقة الواقع واعتقاد المخبر أنه مطابق له اعتقاداً ناشئاً عن دلالة يقينية أو عن إمارة ظنية بناء على أنّ الاعتقاد يطلق على ما يشمل العلم، والظن الراجح ويحتمل أنه بيان لطريق الاطلاع على اعتقاده الخفي فاعتبار. في الصدق باعتبار ما يظهر من حاله بالوجه المذكور، والظاهر أنّ هذا مذهب الجاحظ إلا أنه يرد على المصنف حينئذ أنّ الاستدلال بالآية المذكورة إنما هو لمذهب النظام كما في المفتاح وغيره من كتب لتعاني لقوله بأنه المطابق للاعتقاد فقط فإنه تعالى كذبهم لعدم مطابقة كلامهم لاعتقادهم وان طابق الواقع وفي شرح التلخيص لابن السبكيّ أنّ ابن الحاجب رحمه الله جعل هذه الآية دليلاَ للجاحظ وتبعه المصنف لأنها تصلح له ولذا قيل إنه اتجه على السكاكيّ أنه يجوز أن يكو) ، التكذيب لأنّ الصدق مطابقة الواقع مع الاعتقاد وأنه لا وجه لترك المصنف التعرّض! لمذهب النظام مع أنه أقرب إلى الحق لأنه لم يبطل فيه انحصار الشبر في الصادق والكاذب وقال بعض الفضلاء مبني ما ذكره المصنف على أنّ مطابقة الواقع معتبرة في مفهوم الصدق بلا نزاع لكثرة الأدلة عليها فلما كذب الله المنافقين علم أنه اعتبر معها شيء آخر وهو مطابقة الاعتقاد فتأمّل وقال الراغب: الصدق والكذب أصلهما في القول ماض! ياً كان أو مستقبلاً وعدا كان أو غيره ولا يكونان بالقصد الأوّل في القول إلا في الخبر دون غيره من أصناف
الكلام ولذا قال تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا} [سورة النساء، الآية: 87] وقوله: إنه كان صادق الوعد وقد يكونان بالعرص في غيره كالاستفهام لأنّ في ضمنه خبراً والصدق مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معاً ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقا بل إما أن لا يوصف بالصدق وامّا أن يوصف تارة بالصدق وتارة بالكذب على طريقين " ختلفين كقول الكافر من غير اعتقاد محمد رسول الله فإنّ هذا يصح أن يقال صدق لكون المخبر عنه كذلك ويصح أن يقال كذب لمخالفة قوله لضميره، وللوجه الثاني أكذب الله المنافقين حيث قالوا إنك لرسول الله فقال: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} انتهى. قوله: (ورذ بصرف التكذيب الخ) قد قرع سمعك فيما مضى أنّ الشهادة وقولك أشهد بكذا هل هو إنشاء متضمن للإخبار أو خبر صرف وقول المصنف رحمه الله أنّ الشهادة إخبار ظاهر في الثاني والجمهور وانّ رجحوا أنها إنشاء قالوا إنّ المشهود به خير ولذا قيل في قوله تعالى: {وَاللهُ يَشْهَدُ} [سورة المنافقون، الآية: ا] أنّ الكذب راجع للمشهود به في زعمهم وصرفه تحويله بالعدول عن الظاهر من تعلقه بقوله إنك لرسول الله إلى جعله متعلقا بما تضمنه تشهد من دعوى العلم وليس كذلك في الواقع فينطبق على مذهب الجمهور وفي المطوّل ما قيل من أنه راجع إلى قوله نشهد لأنه خبر غير مطابق للواقع ليس بشيء لأنا لا نسلم أنه خبر بل إنشاء وقيل عليه أنه يتضمن الإخبار وأن كان إنشاء لكن المحقق قصد ردّ من جعل التكذيب راجعا إلى صريح مدلول نشهد بزعم أنه خبر فإن قلت قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ} [سورة البقرة، الآية: 146] يدلّ على أنّ شهادتهم كانت إخباراً عن علم. قلت العلم المعتبر في الإيمان مشروط كما قيل بالرضا والتسليم وهم لا يقصدون بقولهم نشهد ذلك لأنه الذي ينجيهم لا التصديق الخالي عنه ولا يخفى عليك أنّ قول المصنف ما كانوا عالمين يأبى ما ذكر من الجواب فينبغي دفعه بطريق آخر. فإن قلت إذا كان الكذب في تسمية الإخبار الخالي عن الاعتقاد شهادة لأنها في ااطغة ما يكون عن علم واعتقاد يكون غلطاً كقولك خذ الثوب مكان خذ الكتاب لا كذباً إذ الكذب راجع لما تضمنه من الخبر وهو مواطأة ما نطقوا به لما في قلوبهم. قلت هذا وان توهمه بعضهم لا وجه له فإنّ الشهادة تدل على العلم والتحقق سواء كان بطريق الوضع أو دلالة الفحوى وسواء كان خبراً صريحاً أو إنشاء يلزمه خبر آخر فإذا لم يكن كذلك كان كذبا والتكذيب راجع لمدلوله فجعله غلطا غلط ثم إنه قيل على المصنف أنّ كلامه ظاهر في تقرير مذصب الجاحظ في اعتبار المطابقتين وما استدل به عليه هو دليل النظام على أنه مطابقة الاعتقاد فقط إلا أنه لم يرد ردّه بل أراد الردّ على الراغب حيث اختار ما يشبه مذهب الجاحظ واستدلّ عليه بدليل النظام فردّه بما ردّ به الجمهور على النظام