كتاب حاشيه الشهاب علي تفسير البيضاوي =عنايه القاضي وكفاية الراضي (اسم الجزء: 2)
وهو ردّ لما في الكشاف حيث جعل الإيجاز وجهاً مستقلاً وهو لا يصلغ له إن لم يوجه بأن الوسايط التي صرّح بها في ارتباط الجزاء بالشرط مرادة بحسب المعنى وان لم تقدر في العبارة ويرد عليه أنه لو قيل فاتركوا العناد كانت تلك الوسايط مرادة أيضا فلا إيجاز بحسب الكناية إلا أن يوجه بما قيل من أنه أريد بهذه الكناية مجموع المعنيين من اتقاء النار وترك العناد معا فيكون مؤخراً، ويشمل الإيجاز كل كناية أريد بها معنياها جميعا (أقول) : هذا برمّته مأخوذ من شرح الكشاف الشريفي وقد عرفت أنه لا يجري في كلام المصنف رحمه الله لأنه لا يوافقه فيما قدّره جزاء وجواباً كما مرّ ولو وافقه لم يكن لذكره وجه أيضاً سواء كان مستقلا أو بطريق التبعية والمعية، والعجب من هذأ القائل أنه ذكر هذا بعيته في شرح قوله: معجز فما أسرع ما نسي ما قدّمه بين يديه وما بالعهد من قدم وقد عرفت أيضا أنه يرد على الزمخشرفي أنه إذا كان ترك العناد لازما كان إطلاق الاتقاء عليه تعبير بالملزوم عن اللازم فيكون مجازاً لا كناية ولذا عدل عنه المصنف رحمه الله وأن كان غير مسلم كما فصله قدس سرّه وسيأتي تحقيقه. قوله: (وصذّر الشرطية بأن الخ) أي هذه الجملة الشرطية جاءت على خلاف الظاهر ومقتضى الحال كما أشار إليه بقوله والحال أي وظاهر الحال المناسب للمقام والسياق، وكون أن الموضوعة للشرط تفيد الشك وإذا الظرفية المضمنة معنى الشرط تقتضي الجزم والقطع مما اتفقوا عليه، فإذا خرج كل منهما عن مقتضاه فلا بدّ له من وجه والمراد بالوجوب في كلام المصنف رحمه الله الجزم والقطع فهو بالمعنى اللغويّ وفي المصباح وجب الحق يجب وجوبا وجبة لزم وثبت وهو قريب مما فسرناه به، وما قيل من أنه عبر عن الوقوع المقطوع بالوجوب جريا على ما بين المتكلمين من أنّ الوجود مسبوق بالوجوب فما لم يجب لم يوجد مما لا حاجة إليه ولا يفيد التفسير بل التعقيد ومقابلته بالشك تغني عن الشرح، وأصل الشك المستفاد من أدائه وحقيقته من المتكلم فإن اعتبر حال المخاطب فعلى خلاف الأصل كما أشار إليه بقوله: أو على حسب ظنهم، وقوله: فإنّ القائل الخ تعليل لاقتضاء المقام الجزم وعدم الشك وقوله: ولذلك الإشارة إمّا لاقتضاء الحال أو لأنه تعالى لم يكن شاكا وان كان غير محتاج إلى التعليل لأنّ المراد إظهار نكتة الاعتراض.
وقيل: معنى لذلك لعلمه بحالهم أي بنفي الإتيان ولا يخفى أنه لا حاجة إلى الاستدلال
على أنه تعالى لم يكن شاكاً فالأوجه أن يصرف إلى تصدير الشرطية بأن أي لذلك التصدير ففي إتيانهم ففائدته نفي الشك الذفي توهمه عن ساحة سلطان علمه، ولك أن تقول: {لَن تَفْعَلُواْ} معطوف على {لَّمْ تَفْعَلُواْ} انتهى. ولا يخفى عليك أنّ جعل الإشارة للتصدير وان صح في غاية البعد وأمّا العطف الذي ارتضاه فغير صحيح بحسب العربية ولا بحسب المعنى ولذا لم يلتفتوا له مع ظهوره وهي جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب. وفيها كما في الكشاف نوع من الإعجاز ودليل آخر على إثبات النبوّة لما فيها من الإخبار بغيب لا يعلمه إلا ألله. قوله: (تهكماً بهم) منصوب مفعول له وتعليل لقوله: وصدر الشرطية بأن أي أنه كلام القويّ العزيز العليم بجميع الكائنات قبل وقوعها علما حضوريا جازماً منزهاً عن الشك فحاطبهم بمثله استهزاء منه وتحقيراً لهم كما يقول الواثق بالغلبة لخصمه إن غلبتك لم أبق عليك وتحميقاً لهم لشكهم في المتيقن الشديد الوضوح وهو على هذا يحتمل أن يكون استعارة تبعية تهكمية حرفية كما قيل ولا مانع منه ويحتمل الحقيقة والكناية كما في غيره مما جاء على خلاف مقتضى الظاهر، وقوله: أو خطابا الخ أي عبر بذلك نظراً لحال المخاطب لا القائل كما في الوجه السابق، وفي الكشاف يساق القول معهم على حسب حسبانهم وطمعهم وأنّ العجز عن المعارضة كان قبل التأمّل كالمشكوك فيه لديهم لاتكالهم على قصاحتهم واقتدارهم على الكلام أي أنّ هذا الكلام بعد قوله: وان كنتم في ريب بلا فاصل فلم يجدوا مهلة التأمّل حتى يحصل لهم التحقق وإنما قال: لم يكن محققاً ولم يقل كان مشكوكاً لأنهم لما لم يحصل مجال للتأمّل لم يحصل الشك أيضا ولذا قال الزمخشرفي: كالمشكوك إذ الشك إنما يكون بعد التصدي للتفحص عن حال الشيء لكنهم لما كانوا متكلين على فصاحتهم واقتدارهم على أفانين الكلام كان عجزهم بالقياس إلى ظاهر حالهم كالمشكوك فيه لديهم كما قال