كتاب حاشيه الشهاب علي تفسير البيضاوي =عنايه القاضي وكفاية الراضي (اسم الجزء: 2)

تعالى: {لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا} [سورة الأنفال، الآية: 31] وفيه رمز إلى أنهم لو تأمّلوا لم يشكوا فتأمل. قوله: (وتفعلوا جزم بلم الخ) جزم بمعنى مجزوم كدرهم ضرب الأمير بمعنى مضروبه وهذا تعليل وبيان لكون العامل الجازم هنا لم لا إن الشرطية لأنه لما اجتمع عاملان وعملهما معا لا يجوز إذ لا يتوارد عاملان على معمول واحد رجحوا الثاني لأنه واجب الأعمال إلا في ضرورة أو شذوذ أو وجود مانع متصل بالفعل كنون التأكيد والإناث وهي مختصة بالمضارع كاختصاص حرف الجرّ بالاسم فكانت جديرة بأن تعمل فيه العمل الخاص به ولأنها لا تنفصل عنه إلا نادراً بخلاف إن ولأنها تقلبه إلى المضي فلما أثرت في معناه لقوّتها أثرت في لفظه وصارت معه
كفعل واحد ماض فلم يفعل بمعنى ترك وحرف الشرط حينئذ داخل على المجموع فيعمل في محل فعله ولا يلغى وليس هذا من التنازع في شيء وإن تخيل مشابهته له لأنّ ابن هشام في كتبه كنيره صرّح بأنّ التنازع لا يكون بين حرفين لأنّ الحروف لا دلالة لها على الحدث حتى تطلب المعمولات (أقول) كذا في شرح الكشاف وفي شرح أوضح المسالك ما نصه أجاز ابن العلج التنازع بيى ن الحرفين مستدلاً بقوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} الآية فقال تنازع إن ولم في تفعلوا، ورذ بأن أن تطلب مثبتا ولم تطلب منفياً وشرط التنازع إلاتحاد في المعنى إلا أنّ أبا عليّ الافارسي أجازه في التذكرة كما نقله عنه الشاطبيّ فعلى هذا يصح أن يقال الجازم هنا أيضا أن فالحاصل إن لم جازمة للمضارع وإن جازمة للمحل لكثرة عملها فيه في نحو إن جئتني أكرمتك فتوفر حظهما من العمل كما أشار إليه المصمنف بقوله ولأنها لما صيرته ماضيا صارت كالجزء منه وحرف الشرط كالداخل على المجموع أي مجموع لم والفعل فعملهما محليّ فإن تلت هل المحل للفعل وحده أو للجملة أو للم مع الفعل كما هو ظاهر كلام المصنف. قلت: هذا مما لم يصرّحوا به وفيه إشكال لأنه إن كان للفعل وحده لزم توارد عاملين في نحو النسوة إن لم يقمن وان كان للجملة يرد عليه أنهم لم يعدوها من الجمل التي لها محل من الإعراب وان كانت للم مع الفعل فلا نظير له وعلى كل حال فالمقام لا يخلو من الإشكال وقد أطال فيه شارح المغني بما لا مآل له فليحرّر. قوله: (وإن كلاَ في نفي المستقبل الخ) وقد فرق بينهما برجوه كالاختصاص بالمضارع وعمل الممب، ونقل عن بعضهم أنها قد تجزم ولا يقتضي نفي لن التأبيد ولا غيره من طول مدة أو قلتها خلافاً لبعض النحاة في ذلك وليس أصلها لا أن لأنه سمع نادرا كما في قوله:
يرجى المرء مالاً أن يلاقي ويعرض دون أيسره الخطوب
ولا حجة فيه لاحتمال زيادة أن فيه وقد أورد عليه أن لن تضرب كلام تامّ وأن مع الفعل
اسم مفرد غير تام وتقدير ما يتمّ به معه تعسف أهون منه القول بأنه أصله فلما غير لفظه غير معناه وصار لمجرّد النفي، وقيل: أصله لا فأبدلت ألفه نونا ولما كان هذا كله تكلفا بغير طائل لم يرتضه المصنف رحمه الله وقال: إنه مقتضب أي مرتجل وضحع ابتداء هكذا، وأصل معنى الاقتضاب الاقتطاع. قوله: (والوقود بالفتح ما توقد به النار الخ) المشهور عند النحاة الفرق بين فعول وفعول بالفتح والضم فالثاني مصدر والأوّل اسم لما يفعل به وقال بعض النحاة: قد يكون مصدراً وحكي عن سيبويه في ألفاظ وهي الولوغ والقبول والوضوء والطهور وزاد الكسائيّ الوزوع وغيره اللغوب بمعنى التعب وبه قرئ في سورة ق، فتصير سبعة والمشهور في المفتوح أنه اسم فيه معنى الوصفية كالقارورة، وقد قرئ بالضم هنا في الشواذ وهي قراءة عيسى
ابن عمر والهمدانيّ وقال ابن عطية الضم والفتح محكيان في الحطب والمصدر فإن كان اسما لما يوقد به فلا حاجة إلى التأويل وإلا فحمله على النار مبالغة كرجل عدل أو بالتجوّز فيه، أو في التشبيه أو بتقدير مضاف في الأوّل كذو وقودها أو في الثاني كاحتراق وقيل فيه نظر يعني لأنّ الإيقاد غير الاحتراق ولذا قيل: فيه مسامحة لأنه يقال اتقدت النار ولا يقال احترقت بل الاحتراق أثره وقريب منه، والأمر فيه سهل، وحكى المصنف عن سيبويه أنّ من العرب من جعل المفتوح مصدرا والمضموم اسما على عكس المشهور وقوله عالياً بمعنى فصيحاً يقال لغة عالية وعلوية وهذه اللغة أعلى أي أفصح وأصله كما قيل من علياء

الصفحة 51