كتاب الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي
وَبِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرِيدٌ بِهِ مَا هُوَ مَوْضُوعٌ لَهُ , فَإِنْ عَلِمَ تَجَوُّزَهُ بِهِ وَاسْتِعَارَتَهُ لَهُ لَمْ يَسُغْ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ اللَّفْظَ مُجَرَّدًا دُونَ ذِكْرِهِ مَا عَرَفَهُ مِنْ قَصْدِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ضَرُورَةً غَيْرَ مُسْتَدِلٍّ عَلَيْهِ , فَإِنَّهُ إِنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي جَازَ عَلَيْهِ الْغَلَطُ وَالتَّقْصِيرُ فِي الِاسْتِدْلَالِ , وَوَجَبَ نَقْلُهُ لَهُ بِلَفْظِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِيَنْظُرَ هُوَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ , فَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ لِلْجَاهِلِ بِمَوَاقِعِ الْخِطَابِ وَبِالْمُتَّفِقِ مَعْنَاهُ وَالْمُخْتَلِفِ مِنَ الْأَلْفَاظِ , فَهُوَ أَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ إِبْدَالُ اللَّفْظِ بِخِلَافِهِ , بَلْ هُوَ الْغَالِبُ مِنْ أَمْرِهِ , وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْعَالِمِ أَيْضًا رِوَايَةُ الْمُحْتَمِلِ مِنَ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى , فَهُوَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَرْوِيهِ عَلَى مَعْنًى يَسْتَخْرِجُهُ وَيَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ , وَقَدْ يَتَوَهَّمُ وَيَغْلَطُ , وَقَدْ يُصِيبُ , وَنَحْنُ غَيْرُ مَأْمُورِينَ بِتَقْلِيدِهِ , وَإِنْ أَصَابَ فَيَجِبُ لِذَلِكَ رِوَايَتُهُ إِيَّاهُ عَلَى اللَّفْظِ , لِيَجْتَهِدَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقَوْلِ بِمَعْنَاهُ , اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَقُولَ النَّاقِلُ الْعَدْلُ: إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ ضَرُورَةً قَصْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُحْتَمِلِ مِنْ كَلَامِهِ إِلَى كَذَا وَكَذَا , وَأَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ دُونَ غَيْرِهِ , فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ وَيَزُولُ حُكْمُ الِاجْتِهَادِ فِي مَعْنَى اللَّفْظِ. وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ لِلْعَالِمِ بِمَعْنَاهُ فَهُوَ
مَا أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَاذَانَ الصَّيْرَفِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْجَهْمِ الْكَاتِبُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو السَّكُونِيُّ، ثنا الْوَلِيدُ بْنُ سَلَمَةَ الْفِلَسْطِينِيُّ، أَخْبَرَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيُّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , قَالَ: قُلْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِأَبِينَا أَنْتَ وَأُمِّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِنَّا لَنَسْمَعُ الْحَدِيثَ فَلَا نَقْدِرُ عَلَى تَأْدِيَتِهِ كَمَا سَمِعْنَاهُ قَالَ: §«إِذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا وَلَا تُحَرِّمُوا حَلَالًا فَلَا بَأْسَ»
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ الْفَقِيهُ، ثنا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ , إِمْلَاءً -[200]-، أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الْبَزَّازُ، ثنا صَالِحُ بْنُ قَطَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُسَاوِرٍ , حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ سَلَمَةَ , حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيُّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِنَّا نَسْمَعُ مِنْكَ الْحَدِيثَ فَلَا نَقْدِرُ عَلَى تَأْدِيَتِهِ كَمَا سَمِعْنَا , قَالَ: §«إِذَا لَمْ تُحَرِّمُوا حَلَالًا وَلَا تُحِلُّوا حَرَامًا وَأَصَبْتُمُ الْمَعْنَى فَلَا بَأْسَ»
الصفحة 199