كتاب الإفصاح عن معاني الصحاح (اسم الجزء: 6)

وقد كان هذا من جملة أضاليل الجاهلية، وتبًا لمن عمي عن الفكر في إنزال الله الغيث في الأوقات الصالحة لنزوله؛ فإنه سبحانه يمنعه أن ينزل في وقت اشتداد الحب وتهيئته للحصاد، وبلوغ الثمار وأقطافها، وهبوب الرياح لذر العطف، وتخليصه من الحب، ولإنضاج الثمار عند خروجها من كمامها ليخلص لها من حر الشمس ما يقوي النوى في البطن، ويطبخ الثمرة في الظاهر، وليتناول الناس مواد كسوتهم من القطن والكتان وغير ذلك.
حتى إذا أخرجت الأشجار ثمارًا عليها، وحصلت الحبوب بعد تخليصها من عصفها وغلفها، وجدت العذوق من نخلها، فرفعت إلى حيث يؤمن عليها من موابدها وجرينها، وادخر كل ما يصلح للادخار، وفرع مما يؤكل في أوانه من الثمار.
واشتدت حاجة الأرض إلى أن يعاودها رحمة ربها بإنزال الغيث عليها، وقد كانت اقشعرت واحتاجت مواشيها، بتيبس كلأتها، وأطابت الرياح ما كان صوح من نبتها، واشتاقت إلى لبس كسوتها.
ولم يبق فيها ما يضر به نزول الغيث (18/ أ) ولا يفسده اتصال الإيذاء، أنزل الله الغيث على أمن من أن يفسده على الناس شيئًا إلا أن يكون نادرًا، أو عن تفريط من محرزه مع كثرة المنذرات لهذا المحرز أمام السيول.
ثم قدر الله تعالى من ذلك في كل بلد قسطًا يصلح له، فلا يكاد يتجاوز نزول الغيث في العراق ونجد وبعض الحجاز وخوزستان ثلاثة أيام؛ لأن العراق تدفع الأودية، وما ينصب إليها من فواضل تلك البلاد العالية التي جعل الله تعالى استمرار نزول الغيث في كل صقع منها عشرة أيام أو خمسة

الصفحة 193