* قد مضى الكلام في هذا الحديث في مواضع، وبينا أنه يوجب الإيمان بعذاب القبر، وقد سبق الكلام فيما قلنا في هذا الحديث، وإن كنا لا ندعي استيعاب فوائد حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإحصاء ما فيه من المعاني والحكم والآداب الدينية والدنيوية؛ ولكن أذكر من ذلك ما أرانيه الله سبحانه من ذلك، ووفقني له، موقنًا أن حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يستغرق فوائدها فهمي، ولا يبلغ غايتها علمي، فإذا مر حديث من أحاديثه - صلى الله عليه وسلم - وذكرت فيه ما بلغه علمي، يعاد الحديث بعينه، رأيت فيه من الآلئ التي تشف من وراء النطق ما لم أكن رأيته من قبل.
واستدللت بذلك على أن الأحاديث، إنما كشف الله لي منها ما شاء، وخبأ للآخرين من عباده منها ما شاء، فنقول:
* أما قوله - صلى الله عليه وسلم - في الرواية التي بدأ بها بعذاب القبر، فإنه على ترتيب ما يقع من الزمان؛ لأن القبر بين يدي جهنم، وعذاب القبر لا ينكره إلا من ينسب أوامر الله عز وجل إلى ما لا يليق بخلالها، فإن عذاب القبر ونعيمه؛ هو الذي يبدأ به كل بشر من أمر الآخرة، فلو قد كان كما يزعم منكرو عذاب القبر ونعيمه (24/ أ) لكان على رأيهم أن أوامر الله تعالى أهملت الجزاء في نعيم المحسن وعذاب المسيء وقتًا ما، وذلك غير لائق بعدل الله سبحانه؛ بل إن كرام الملائكة على شدة انتظار لقدوم المؤمن في قبره؛ ليكونوا من حسن مصاحبته وإكرام مثواه بالمكان الذي أخبو به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،