وكذلك فإن الزبانية الذين يعذبون أعداء الله في قبورهم على شدة توقع لقدوم المنافق والكافر يتلهفون غيظًا عليه، ويستبطئون مدة احتباسه ليكونوا بتعذيبه والانتقام منه، مؤدين شغلًا خلقوا له، وهذا الجزاء في البرزخ من حيث إنه دهليز الآخرة، فيكون تقديم الاستعاذة من عذاب القبر، من حيث إنه المقدم في الزمان، ويتبع بعذاب جهنم من حيث إنه بعده في الزمان.
فأما الرواية التي قدم عذاب جهنم؛ فإنه من حيث أشد الأمور وأهمها لكونه فوق كل عذاب، فيبدأ به.
* فأما قوله: (أعوذ بك من فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال)؛ فإن ذلك مما يكون قبل البرزخ.
وأما قوله: (فتنة المحيا والممات)؛ فإن من أشد فتنة المحيا أن يظن حي أن حياته بأمر الطبيعة؛ فإن ذلك من أشد الفتنة، وكذلك أن يرى مماته بأمر من الفساد، بل إن محياه بمقتضى حكم سابق وأجل مقسوم، ومماته بأمر مقدر، وفي وقت معلوم، وهذا ينبغي لكل مؤمن أن يكون نظرة إلى محياه ومماته بهذه العين؛ فإن اختلاف مقادير الآجال يدل على أنها بمقتضى قسمة من الخالق سبحانه؛ إذ لو كانت (24/ ب) من الطبيعة لتساوت.
ولذلك فإن حكمة الخالق سبحانه وتعالى أن كتب الموت على أهل كل سن حتى ابن اليوم، فما زاد في آخر الأوقات في الشهر، وكذلك ما زاد في آخر الأوقات إلى العام وكذلك إلى ما بعده، ليكون الموت عند مأمون في وقت من الأوقات، مداويًا سبحانه بذلك ما يعرض في القلوب من أمراض