ذلك؛ فإنه يكتب الله سبحانه في الصدقة ما يكتبه على تقدير الممكن في أرفع حالاته، وأكمل مواقعه، من أن لو قد جوز أن يكون أحد أمراء الغزاة قد أعوزه لفرسه التي يرقى عليها إلى جبل لتفتح حصنًا للمشركين، فلا يجد نعلًا لفرسه إلا من ذلك التصدق؛ فإنه يحتسب له الله عز وجل في أحسن مواقعه على أنه يكتب ثمنًا وقيمة بأكمل ما يجوز أن يكون إذا لم يوجد في الأرض غيره؛ ولم يكن لأمير الغزاة بد منه، وعلى هذا قوله سبحانه: {ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون}.
* وفيه أيضًا أن للجنة ثمانية أبواب، وهذه الأبواب كل باب يخص بعمل؛ فالصدقة باب، والجهاد باب، وعلى هذا فإن بر الوالدين وصلة الرحم وتعلم العلم وتعليمه، (26/ أ) وقراءة القرآن، وعيادة المريض .. إلى غير ذلك من أعمال البر أبواب للجنة يدخل منها إليها، ويسلك فيها بحبوحتها؛ فمن كان منفردًا بعد أداء فرائضه بباب واحد منها دعي من ذلك الباب، ومن كان بعد أداء فرائضه قد عامل الله عز وجل بها كلها، وسلك في جميعها بأسرها؛ فإنه ينادى منها كلها، وكان ممن ينادى منها كلها أبو بكر الصديق رضي الله عنه بشهادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له.
* فأما السر في النداء من الأبواب؛ فإن أهل كل باب عرفوا عمارة المؤمن للطريق التي يدخل منها إلى ذلك الباب، فهم قد رأوا أن دخوله إلى الجنة من بابهم الذي قد عمر الطريق إليه.
فإذا أقبل المؤمن وكان قد عمر الطرق إلى الأبواب عمارة يكون هو أهلًا