* وفيه أن الله سبحانه وتعالى (30/ أ) مكن عبده في حياته الدنيا من أشياء تشابه ما تنتهي إليها أحواله في الآخرة؛ ليكون إذا وجد ما يسوءه من قصور عن مدى لم يبلغه لم يلم غير نفسه؛ فإن أراد أن يتجاوز الله له عن كل شيء تجاوز هو لعباد الله المؤمنين عن كل شيء، وإن أراد أن يجود الله له بكل شيء جاد هو لعباد الله سبحانه بكل شيء في الله سبحانه، وإن أراد أن يؤثره الله على كل مخلوق في وقته آثر هو الله سبحانه على كل مخلوق في وقته، وكذلك إذا أحب ألا يأتيه من الله ما يكرهه لم يأت هو في أمر الله ما يكرهه، ولذلك إذا أراد أن يكون أكرم خلق الله على الله فليكن أشد خلق الله اتقاء لله، وكذلك إذا أراد أن يكون أحب خلق الله إلى الله فليكن ممن لا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، وهي العروة الوثقى؛ الحب في الله والبغض في الله.
وإن مما أخافه على أهل الخير عند هذه العقبة من عقاب النيات أنه إذا رأى الرجل المسلم الرجل المسلم وقد أعجبته خلاله وثبت عنده صلاح علانيته، وهو يشير إليه ضميره فاستحق حبه وأن يمحضه وده، فنظر إلى أنه ليس من قومه؛ أو ليس على مذهبه، أو ليس آخذًا في طريقه المشوبة، فقصر في إمحاضه الود لذلك المعنى الذي ليس بصالح؛ لأنه قد تعرض بذلك لأن يمقته الله عز وجل في أدنى خلة يستحق بها المقت، وإن كان هو لم يمقت في خلة يستحق بها المقت؛ ولكن عدل الله عز وجل (30/ ب) يقتضي ألا يكون إلا كذلك.