كتاب الإفصاح عن معاني الصحاح (اسم الجزء: 6)

وكذا، وقد بات يستره ربه، فيصبح يكشف ستر الله عليه)].
* في هذا الحديث من الفقه أن معصية الله يزيدها غلظًا أن يجاهر بها فاعلها؛ لأنه يشير بذلك إلى جرأة منه على ربه بمشهد آخري يجرئهم على مثل ذلك من فعله، فكأنه جعلهم شهودًا عليه بفسقه؛ فإن الحلم على مثل هذا مع مجاهرته يدعو من لم يعص إلى أن يعصي.
وقد سبق من الله تعالى الإنذار الذي شاع وذاع، فلم يقنع هذا (31/ أ) العاصي بأن عصى الله سرًا حتى يعرض بفتنة آخرين، ولو كان قد استتر بما ستره الله به لكان أمره أسهل؛ ولكنه لم أبى إلا هتكه ستره استوجب توجه العقوبة إليه؛ لأنه لو قد أخرت عقوبة المجاهر لعرضت قلوب الضعفاء للفتنة في الدين، وقربهم من الشك في أمر الله، فكان استهدافه لسهام الانتقام من حيث مجاهرته بعصيان الله سبحانه وتعالى، فلذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين)، فإنه يعني أن الطائع قد شملته العافية، وأن من قدرت عليه المعصية فستر ذلك، فإنه في عافية من الله إذ لم يفضح نفسه، وقد رجي له يتوب إلى الله في السر كما عصاه في السر، فتكون العافية شاملة له.
فأما المجاهر فإنه يجرى مجراة مجري شارب الخمر، لو قد تاب فيما بينه وبين الله عز وجل لسقط عنه الحد، فأما لو قامت البينة عليه عند الحاكم بذلك ثم تاب، لم تكن التوب مزيلة للحد الذي وجب عليه.

الصفحة 232