كتاب الإفصاح عن معاني الصحاح (اسم الجزء: 6)

* وأما المعلق القلب بالمسجد؛ فإنه يكون فوق أن يلازم مسجدًا واحدًا، ولكن يكون همته بمساجد المسلمين وقيام الجماعات فيها، متفقدًا عمارتها، وأهلها، فيكون قلبه معلقًا هاهنا من العلاقة، من قولك: علقت بكذا، إذا أشرب قلبك ذلك، إلا أن قوله: (معلق) بتشديد اللام يقتضي تكثير ذلك منه؛ وذلك أن المساجد (32/ ب) منازل الآلاف في الله عز وجل، فكما أن الآلاف من أهل الدنيا يشتاقون الديار التي اجتمعوا فيها بآلافهم، ويحنون إلى المنازل التي صاحبوا فيها إخوانهم؛ فكذلك المؤمنون تتعلق قلوبهم بالمساجد من حيث إنهم فيها عرفوا الإخوان في الله عز وجل، وهي الأماكن المنسوبة من بين الأرض كلها إلى الله؛ لكونها بيوتًا له.
* وأما الرجلان المتحابان في الله عز وجل؛ فإنهما يعرفان بأن ينظر إلى الجامع بينهما، وأنه ليس عن قرابة ترعى، ولا عن رحم تبل، ولا عن تجارة تضم، ولا عن سفر يجمع، ولا عن دنيا ترب، ولا عن خدمة مخدوم تجمع؛ بل حب لله عز وجل، يعرف هذا من هذا حبه لله، ويعرف هذا من هذا حبه لله، فيتحابا في الله من حيث إنهما إذا اجتمعا تذاكرا ذلك وأفاضا فيه، وتعاوداه وتهاديا أذكاره فاجتمعا على ذلك إذا اجتمعا، وافترقا على ذلك إذا افترقا، فكانا من المتحابين في الله عز وجل، فإن اتفق أن يكونا نسيبين، لكل واحد منهما في حب الله عز وجل معاملة من صلة الرحم منه فذلك أفضل؛ فإن كان أحدهما يحب الآخر في الله عز وجل بحسب ما ظهر له من أمارات حب الله، فلم يكن باطن الآخر على ما كان عليه ظاهره، أثاب الله المخلص ولم يأخذه بجريرة الغال.
* وأما الصدقة التي يخفيها المتصدق حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه؛

الصفحة 236