فإن هذا هو المبالغة في الصدقة؛ وقد حكى الشيخ أبو عبد الله (33/ أ) محمد ابن يحيى- رحمه الله- أنه اجتهد مرة في ذلك حتى أخفاها عن الذي أخذها، ووصلت إليه بأن حضر إلى السوق فاستام من بزار سلعة تساوي عشرة فأعطاه فيها عشرين، وهو يعلم قيمتها، وكذلك فعل مع تاجر آخر فتصدق عليها بعشرين دينارًا وهما لا يعلمان. وقال لي: رأيت أحدهما بعد ذلك وهو يقول لتاجر آخر معناه: إني كنت في شدة، فجاءني رجل فاشترى مني ما ربحت فيه عشرة دنانير؛ كأنه كان ملكًا. قال: فهذا من دقائق الإخفاء.
ويجوز أن يكون معنى قوله: (لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) أي إن لكل مسلم أهل يمين وأهل شمال، فأهل اليمين الذين يحبون منه الخير، ويأمرونه به، ويحضونه عليه، وأهل الشمال هم الذين يأمرونه بالشر، ويريدونه منه، ويحضونه عليه، فإذا أراد المؤمن فعل الخير فإنه يستره من أهل شماله لئلا يفسدوه عليه ويصرفونه عنه، فيكون إذا أنفق نفقة لم تعلم شماله ما أنفقت يمينه.
وقول الله سبحانه: {إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} أي إنكم كنتم تأتوننا في زي أهل اليمين فغررتمونا بذلك حتى أوردتمونا الموارد.
* وأما الرجل الذي دعته امرأة إلى نفسها، فقال: إني أخاف الله، فإنه شرف مقامه بأن ثبت عقله وغرز دينه عند استدعاء المرأة منه غشيانها، على ما في الرجال من الشهوة والقوة، وفي النساء من الحياء والركة، وهذا من مقامات البلايا العظام، فلذلك شرف.