كتاب كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس

وقصر ذلك على الله، وذلك في فاتحة الكتاب: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين} (1) ، أي: إياك نعبد لا غيرك، وإياك نستعين لا بغيرك، ولا يخفى أن تقديم المعمول يفيد الحصر، فاشتملت هاتان الكلمتان على نوعي التوحيد؛ توحيد الإلهية، وهو الغاية وهو فعل العبد {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين} هو الوسيلة والمعين هو الله وحده. فالاستعانة بغيره فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك في الإلهية والربوبية، وقوله: {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ} (2) ، أي: في ذلك كله. قال العماد ابن كثير في تفسيره (3) : (أي قصدي ونيتي وعزمي) .
قلت: فتناول هذه الآية أعمال العبد باطنها وظاهرها، وإن ذلك كله لله وحده لا يستحق غيره منه (4) قليلاً ولا كثيراً. قال الله (5) تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّه} (6) .
قال العماد ابن كثير (7) –رحمه الله – في تفسيره: {مُتَشَاكِسُونَ} ، أي: متنازعون (8) في ذلك العبد المشترك بينهم، {وَرَجُلاً سَلَماً (9) لِرَجُلٍ} خالصاً
__________
(1) سورة الفاتحة، الآية: 5.
(2) سورة الأنعام، الآيتان: 162و 163.
(3) انظر (2/198) .
(4) في "م" و "ش": " ... منه غيره".
(5) سقط لفظ الجلالة "الله"من: "ش".
(6) سورة الزمر، الآية: 29.
(7) انظر "تفسير ابن كثير": (2/214) .
(8) في مطبوعة "تفسير ابن كثير" "يتنازعون".
(9) في مطبوعة "تفسير ابن كثير" "أي سالماً".

الصفحة 88