كتاب كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (اسم الجزء: 4)

وَكَذَلِكَ شُهُودُ الْكِتَابَةِ إذَا رَجَعُوا بَعْدَ الْحُكْمِ وَضَمِنُوا قِيمَتَهُ رَجَعُوا بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ عَلَى الْمَكَاتِبِ وَلَمْ يَمْلِكُوا رَقَبَتَهُ لِمَا قُلْنَا: إنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ وُجِدَ وَالْأَصْلُ يَحْتَمِلُ الْمِلْكَ فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ قَامَ الْبَدَلُ مَقَامَهُ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَدْ قَالَ: إنَّ الشُّهُودَ مُتْلِفُونَ حُكْمًا بِطَرِيقِ التَّسْبِيبِ وَالْوَلِيُّ مُتْلِفٌ حَقِيقَةً بِالْمُبَاشَرَةِ وَهُمَا سَوَاءٌ فِي ضَمَانِ الدَّمِ وَإِذَا كَانَ الْوَلِيُّ لَا يَرْجِعُ لَمْ يَرْجِعْ الشُّهُودُ أَيْضًا بِخِلَافِ الشُّهُودِ الْخِطَاءِ فَإِنَّهُمْ إذَا ضَمِنُوا وَقَدْ جَاءَ الْمَشْهُودُ بِقَتْلِهِ حَيًّا رَجَعُوا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَضْمَنُونَ بِالْإِتْلَافِ لَكِنْ بِمَا أَوْجَبُوا لِلْوَلِيِّ فَإِذَا ضَمِنُوا صَارَ الْوَلِيُّ مُتْلِفًا عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَضْمُونَ ثَمَّةَ الْمَالُ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْمِلْكِ وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمَا إنَّ مِلْكَ الْأَصْلِ الْمُتْلَفِ وَهُوَ الدَّمُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ أَصْلًا وَلَا يُحْتَمَلُ فَلَا يَنْعَقِدُ السَّبَبُ لَهُ فَيَبْطُلُ الْخَلَفُ وَلِأَنَّ الْخَلَفَ يَحْكِي الْأَصْلَ وَالْأَصْلُ هُوَ الدَّمُ الْمُتْلَفُ وَمِلْكُ الدَّمِ هُوَ مِلْكُ الْقِصَاصِ وَالْأَصْلُ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مَضْمُونٍ لَوْ صَارَ مِلْكًا فَكَذَلِكَ خَلَفُهُ وَفِي الْمُدَبَّرِ الْأَصْلُ مَضْمُونٌ مَتَى كَانَ مِلْكًا لَا مَحَالَةَ فَكَذَلِكَ بَدَلُهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــQمُوجِبًا لِمِلْكِ الْأَصْلِ وَهُوَ الْمُدَبَّرُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِي بَدَلِهِ وَهُوَ الْقِيمَةُ فَيَمْلِكُ مِثْلَ مَا ضَمِنَهُ عَلَى الْغَاصِبِ الثَّانِي فَيَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَغَاصِبِ الْمُدَبَّرِ مِنْ الْغَاصِبِ شُهُودُ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُمْ إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ كَاتَبَ عَبْدَهُ هَذَا بِأَلْفٍ إلَى سَنَةٍ فَقُضِيَ بِذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعُوا وَالْعَبْدُ يُسَاوِي أَلْفَيْنِ أَوْ أَلْفًا يَضْمَنُونَ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّهُمْ حَالُوا بَيْنَ الْمَوْلَى وَبَيْنَ مَالِيَّةِ الْعَبْدِ بِشَهَادَتِهِمْ عَلَيْهِ بِالْكِتَابَةِ فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِينَ ضَامِنِينَ لِلْقِيمَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ عَلَى نُجُومِهَا وَإِنْ لَمْ يَمْلِكُوا رَقَبَتَهُ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ كَالْمُدَبَّرِ وَلِهَذَا لَوْ عَجَزَ وَرُدَّ فِي الرِّقِّ كَانَ لِمَوْلَاهُ دُونَ الشُّهُودِ.
وَقَوْلُهُ لِمَا قُلْنَا دَلِيلُ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَيْ لِمَا قُلْنَا إنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ وَهُوَ التَّعَدِّي وَالضَّمَانُ قَدْ وُجِدَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَالْأَصْلُ وَهُوَ الْمُدَبَّرُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَالْمُكَاتَبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَحْتَمِلُ الْمِلْكَ لِعَدَمِ اسْتِحَالَةِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ كَالدَّمِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ لِلشُّهُودِ فِي الرَّقَبَةِ لِقِيَامِ الْمَانِعِ وَهُوَ التَّدْبِيرُ وَالْكِتَابَةُ قَامَ الْبَدَلُ وَهُوَ الْقِيمَةُ فِي الْمُدَبَّرِ وَبَدَلِ الْكِتَابَةِ فِي الْمُكَاتَبِ مَقَامَ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا يَرْجِعُونَ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ دُونَ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ قَدْ اسْتَحَقَّ الْعِتْقَ عَلَى الْمَوْلَى بِإِزَاءِ الْبَدَلِ وَأَنَّهُمْ قَامُوا مَقَامَ الْمَوْلَى فِي قَبْضِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ حِينَ ضَمِنُوا قِيمَتَهُ فَلَا يَكُونُ لَهُمْ وِلَايَةُ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِمَا زَادَ عَلَى الْبَدَلِ كَمَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْلَى ذَلِكَ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَدْ قَالَ يَعْنِي فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّ الشُّهُودَ مُتْلِفُونَ حُكْمًا بِطَرِيقِ التَّسْبِيبِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُونُوا مُتْلِفِينَ لَمَا كَانُوا ضَامِنِينَ مَعَ مُبَاشِرِ الْإِتْلَافِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ التَّسْبِيبِ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ فِي مُقَابَلَةِ الْمُبَاشَرَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إنْسَانًا فِي بِئْرٍ حَفَرَهَا غَيْرُهُ مِنْ الطَّرِيقِ كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الدَّافِعِ دُونَ الْحَافِرِ وَلَمَّا ضَمِنَ الشُّهُودَ هَاهُنَا عَرَفْنَا أَنَّهُمْ جُنَاةٌ مُتْلِفُونَ لِلنَّفْسِ حُكْمًا وَإِنْ كَانَ تَمَامُ ذَلِكَ الْإِتْلَافِ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الْوَلِيِّ فَإِنَّ اسْتِيفَاءَهُ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ لِتَمَامِ جِنَايَتِهِمْ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ يَضْمَنُونَ بِإِتْلَافٍ بَاشَرُوهُ حُكْمًا وَالْوَلِيُّ ضَامِنٌ بِإِتْلَافٍ بَاشَرَهُ حَقِيقَةً وَهُمَا أَيْ الْمُتْلَفُ حُكْمًا وَالْمُتْلَفُ حَقِيقَةً أَوْ الْمُتْلَفُ بِالتَّسْبِيبِ وَالْمُتْلَفُ بِالْمُبَاشَرَةِ سَوَاءٌ فِي ضَمَانِ الدِّيَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَيَا فِي ضَمَانِ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ بَدَلُ الْمَحَلِّ وَبَدَلُ الْمَحَلِّ يَعْتَمِدُ فَوَاتَ الْمَحَلِّ فَبِأَيِّ طَرِيقٍ حَصَلَ الْفَوَاتُ تَجِبُ الدِّيَةُ سَوَاءٌ كَانَ مُبَاشَرَةً أَوْ تَسْبِيبًا.
وَلِهَذَا كَانَ وَلِيُّ الْقَتِيلِ مُخَيَّرًا بَيْنَ تَضْمِينِ الْوَلِيِّ وَبَيْنَ تَضْمِينِ الشُّهُودِ، ثُمَّ وَلِيُّ الْقَتِيلِ إذَا اخْتَارَ تَضْمِينَ الْمُبَاشِرِ الْمُتْلِفِ وَهُوَ الْوَلِيُّ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الشُّهُودِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ بِجِنَايَتِهِ وَهِيَ الْإِتْلَافُ حَقِيقَةً فَكَذَلِكَ إذَا اخْتَارَ تَضْمِينَ الشُّهُودِ لَا يَكُونُ لَهُمْ وِلَايَةُ الرُّجُوعِ عَلَى الَّذِي بَاشَرَ الْقَتْلَ؛ لِأَنَّهُمْ ضَمِنُوا بِجِنَايَتِهِمْ وَمَنْ ضَمِنَ بِجِنَايَةِ نَفْسَهُ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ وَإِذَا كَانَ الْوَلِيُّ الَّذِي بَاشَرَ الْقَتْلَ وَلَا يَرْجِعُ يَعْنِي عَلَى الشُّهُودِ عِنْدَ التَّضْمِينِ لَمْ يَرْجِعْ الشُّهُودُ أَيْضًا عَلَيْهِ عِنْدَ التَّضْمِينِ بِخِلَافِ شُهُودِ الْخَطَأِ يَعْنِي إذَا شَهِدُوا بِالْقَتْلِ خَطَأً وَأَخَذَ الْمَشْهُودُ لَهُ الدِّيَةَ مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَ الْمَشْهُودُ بِقَتْلِهِ حَيًّا فَإِنَّ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَنْ يَضْمَنَ الشُّهُودَ فَإِذَا ضَمِنَهُمْ كَانَ لَهُمْ وِلَايَةُ الرُّجُوعِ عَلَى الْآخِذِ وَهُوَ الْمَشْهُودُ لَهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَضْمَنُونَ بِالْإِتْلَافِ إذْ لَمْ يَحْصُلْ بِشَهَادَتِهِمْ تَلَفُ نَفْسٍ، لَكِنَّهُمْ إنَّمَا يَضْمَنُونَ بِمَا أَوْجَبُوا لِلْوَلِيِّ أَيْ لِوَلِيِّ الْمَشْهُودِ بِقَتْلِهِ خَطَأً مِنْ الْمَالِ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَإِذَا ضَمِنُوا ذَلِكَ الْمَالَ مَلَكُوهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ قَابِلٌ لِلْمِلْكِ بِسَائِرِ الْأَسْبَابِ فَيُمْلَكُ بِهَذَا السَّبَبِ أَيْضًا، ثُمَّ إنَّهُ إنْ كَانَ قَائِمًا فِي يَدِ الْوَلِيِّ يَأْخُذُونَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ بِمِلْكِهِمْ.
1 -

الصفحة 168