كتاب كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل (اسم الجزء: 4)
أُخْرَى} (¬١)، وهذا كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "السفرُ قطعةٌ من العذَابِ" (¬٢) فالعذاب أعم من العقوبة، وهو اختيار الشيخ تقي الدين (¬٣).
وأنكرت عائشة حمل ذلك على ظاهره، ووافقها ابن عباس، وقالت: "واللهِ ما حدَّثَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: إن اللهَ ليعذبُ المؤمنَ ببكاءِ أهلِهِ عليْه، ولكن رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: إن اللهَ ليزيدُ الكافرَ عذابًا ببكاءِ أهلِه عليهِ" (¬٤). وقالت لما بلغها رواية عمر وابنه في ذلك: إنكم لتحدثُونَ عن غيرِ كاذِبَيْن ولا متهمين، ولكن السمعَ يخطئُ، وقالت: حسبُكم القرآنُ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (¬٥).
(وما هيَّج المصيبة من وَعْظ أو إنشاد شعر، فمِن النياحة) قاله الشيخ تقي الدين (¬٦)، ومعناه لابن عقيل في "الفنون" فإنه لما توفي ابنه عقيل قرأ قارئ: {يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} فبكى ابن عقيل، وبكى الناس، فقال للقارئ: يا هذا إن كان يهيج الحزن، فهو نياحة بالقرآن، ولم يُنزل للنوح، بل لتسكين الأحزان.
---------------
(¬١) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤، وسورة الإسراء، الآية: ١٥، وسورة فاطر، الآية: ١٨.
(¬٢) أخرجه البخاري في العمرة، باب ١٩، حديث ١٨٠٤، وفي الجهاد والسير، باب ١٣٦، حديث ٣٠٠١، وفي الأطعمة، باب ٣٠، حديث ٥٤٢٩، ومسلم في الإمارة حديث ١٩٢٧ عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(¬٣) انظر مختصر فتاوى ابن تيمية ص/ ٢١١.
(¬٤) أخرجه البخاري في الجنائز، باب ٣٢، حديث ١٢٨٨، ومسلم في الجنائز، حديث ٩٢٩ (٢٣).
(¬٥) أخرجه مسلم في الجنائز، حديث ٩٢٩.
(¬٦) الاختيارات الفقهية ص/ ٩٠.