كتاب كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم (اسم الجزء: 1)

الحديث لا على أنه منه، أي على وجه لا يكون فيه إشعار بأنه من القرآن أو الحديث وهذا احتراز عمّا يقال في أثناء الكلام قال الله تعالى كذا أو قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كذا، وفي الحديث كذا. ونحو ذلك. وهو ضربان: أحدهما ما لم ينقل فيه المقتبس عن معناه الأصلي، فمن المنثور قول الحريري «1»:
فلم يكن إلّا كلمح البصر وهو أقرب. ومن المنظوم قول الآخر:
إن كنت أزمعت على هجرنا من غير ما جرم فصبر جميل وإن تبدّلت بنا غيرنا فحسبنا الله ونعم الوكيل والثاني ما نقل فيه المقتبس عن معناه الأصلي كقول ابن الرومي «2»:
لئن أخطأت في مدحك ما أخطأت في منعي لقد أنزلت حاجاتي بواد غير ذي زرع أراد بقوله بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ جنابا لا خير فيه ولا نفع، وأريد في القرآن بذلك مكّة إذ لا ماء فيه ولا نبات؛ ولا بأس في اللفظ المقتبس أن يقع تغيير يسير للوزن أو غيره كالتقفية كقول البعض:
قد كان ما خفت أن يكونا إنا إلى الله راجعونا وفي القرآن إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ «3».
كذا في المطول.
قال في الإتقان في نوع آداب تلاوة القرآن: قد اشتهر عن المالكية تحريم الاقتباس وتشديد النكير على فاعله. وأما أهل مذهبنا فلم يتعرض له المتقدمون ولا أكثر المتأخرين مع شيوع الاقتباس في أعصارهم واستعمال الشعراء له قديما وحديثا. وقد تعرض له جماعة من المتأخرين، فسئل عنه الشيخ عز الدين بن عبد السلام «4» فأجازه، واستدل بما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله في الصلاة وغيرها وجهت وجهي إلى آخره، وقوله: «اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا اقض عني ديني وأغنني من الفقر» «5».
وهذا كله إنما يدل على جوازه في مقام المواعظ والثناء والدعاء وفي النثر ولا دلالة فيه على جوازه في الشعر وبينهما فرق لأن القاضي أبا بكر من المالكية صرح بأن تضمينه في الشعر مكروه وفي النثر جائز. وقال الشرف إسماعيل بن المقري اليمني «6» صاحب مختصر الروضة في
__________
(1) الحريري هو القاسم بن علي بن محمد بن عثمان، أبو محمد الحريري البصري. ولد بالقرب من البصرة عام 446 هـ/ 1054 م. وتوفي فيها عام 516 هـ/ 1122 م. أديب لغوي، صاحب المقامات الحريرية. له عدة مصنفات. الأعلام 5/ 177، وفيات الأعيان 1/ 419، مفتاح السعادة 1/ 179، طبقات السبكي 4/ 295، خزانة البغدادي 3/ 117، آداب اللغة 3/ 38، نزهة الجليس 2/ 2.
(2) هو علي بن العباس بن جريح، أبو جورجيس الرومي، أبو الحسن. ولد ببغداد عام 221 هـ/ 836 م. ومات فيها مسموما عام 283 هـ/ 896 م. شاعر كبير من طبقة بشّار والمتنبي. أصله رومي، كان يهجو الناس. وله ديوان شعر مطبوع. الأعلام 4/ 297، وفيات الأعيان 1/ 350، تاريخ بغداد 12/ 22، معاهد التنصيص 1/ 108، الذريعة 1/ 313، دائرة المعارف الإسلامية 1/ 181.
(3) البقرة/ 156.
(4) عز الدين بن عبد السلام هو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، عز الدين الملقّب بسلطان العلماء. ولد بدمشق عام 577 هـ/ 1181 م. وتوفي بالقاهرة عام 660 هـ/ 1262 م. فقيه شافعي مجتهد. تولى الخطابة والتدريس ثم القضاء. له مؤلفات هامة. الأعلام 4/ 21، فوات الوفيات 1/ 287، طبقات السبكي 5/ 80، النجوم الزاهرة 7/ 208، علماء بغداد 104، مفتاح السعادة 2/ 212.
(5) حديث رواه ابن أبي شيبة في مصنف، كتاب الدعاء، باب من كان يدعو بالغنى، 7/ 27.
(6) هو إسماعيل بن أبي بكر بن عبد الله بن ابراهيم الشرجي الحسيني الشاوري اليمني. ولد باليمن عام 755 هـ/ 1354 م.

الصفحة 243