كتاب كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم (اسم الجزء: 1)

من المعتزلة. والقول الثاني أنه معرفة الله تعالى مع توحيده بالقلب. والإقرار باللسان ليس بركن فيه ولا شرط، حتى أن من عرف الله بقلبه ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقرّ به فهو مؤمن كامل الإيمان وهو قول جهم بن صفوان «1».
وأما معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر فزعم أنها داخلة في حدّ الإيمان، وهذا بعيد عن الصواب لمخالفته ظاهر الحديث «بني الإسلام على خمس» «2». والصواب ما حكاه الكعبي عن جهم أنّ الإيمان معرفة الله تعالى وكل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد عليه السلام. وفي شرح المواقف قيل الإيمان هو المعرفة، فقوم بالله وهو مذهب جهم بن صفوان، وقوم بالله وبما جاءت به الرسل إجمالا وهو منقول عن بعض الفقهاء.
والفرقة الثانية قالوا إنّ الإيمان عمل باللسان فقط وهم أيضا فريقان: الأول أنّ الإقرار باللسان هو الإيمان فقط ولكن شرط في كونه إيمانا حصول المعرفة في القلب، فالمعرفة شرط لكون الإقرار اللساني إيمانا لا أنها داخلة في مسمّى الإيمان وهو قول غيلان بن مسلم الدمشقي «3». والثاني أنّ الإيمان مجرّد الإقرار باللسان وهو قول الكرّاميّة، وزعموا أنّ المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة، فثبت له حكم المؤمنين في الدنيا وحكم الكافرين في الآخرة.
والفرقة الثالثة قالوا إنّ الإيمان عمل القلب واللسان معا أي في الإيمان الاستدلالي دون الذي بين العبد وربه، وقد اختلف هؤلاء على أقوال: الأول أنه إقرار باللسان ومعرفة بالقلب وهو قول أبي حنيفة وعامة الفقهاء وبعض المتكلمين والثاني أنه التصديق بالقلب واللسان معا وهو قول أبي الحسن الأشعري وبشر المريسي «4». وفي شرح المقاصد «5» فعلى هذا المذهب من صدّق تقلبه ولم يتفق له الإقرار باللسان في عمره مرة لا يكون مؤمنا عند الله تعالى، ولا يستحق دخول الجنة ولا النجاة من الخلود في النار، بخلاف ما إذا جعل اسما للتصديق فقط، فالإقرار حينئذ لإجراء الأحكام عليه فقط كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى انتهى كلامه. والمذهب الأخير موافق لما في الحديث «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرّة من الإيمان» «6» كذا في حاشية
__________
- الميزان 1/ 323، النجوم الزاهرة 3/ 175، خطط المقريزي 2/ 353.
(1) الجهم بن صفوان: هو جهم بن صفوان السمرقندي، أبو محرز. مات مقتولا عام 128 هـ/ 745 م. رئيس الفرقة الجهمية.
كان مبتدعا ضالا، حتى كفرته معظم الفرق الإسلامية. الأعلام 2/ 141، ميزان الاعتدال 1/ 197، لسان الميزان 2/ 142، خطط المقريزي 2/ 349.
(2) أخرجه مسلم في الصحيح، 1/ 45، عن عبد الله بن عمر، كتاب الإيمان (1)، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام (5)، حديث رقم 21/ 16.
(3) غيلان بن مسلم الدمشقي: هو غيلان بن مسلم الدمشقي، أبو مروان. مات مصلوبا بدمشق عام 105 هـ/ 723 م. زعيم الفرقة الغيلانية التي تقول بالقدر، وكان من المتكلمين. له عدة رسائل. الأعلام 5/ 124، الملل والنحل 1/ 227، عيون الأخبار 2/ 345، مفتاح السعادة 2/ 35، لسان الميزان 4/ 424، اللباب 2/ 186.
(4) بشر المريسي هو بشر بن غياث بن أبي كريمة عبد الرحمن المريسي العدوي، أبو عبد الرحمن ولد وتوفي ببغداد عام 218 هـ/ 833 م. رأس الفرقة المريسية، فقيه معتزلي عارف بالفلسفة، ورمي بالزندقة. وكان أبوه يهوديا. له عدة مصنفات الأعلام 2/ 55، وفيات الأعيان 1/ 91، النجوم الزاهرة 2/ 228، تاريخ بغداد 7/ 56، ميزان الاعتدال 1/ 150، لسان الميزان 2/ 29، الجواهر المضيّة 1/ 164.
(5) شرح المقاصد لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (- 791 هـ) شرح فيه كتابه المقاصد في علم الكلام ويعرف أيضا بمقاصد الطالبين في أصول الدين، وعلى الكتاب والشرح عدة حواشي. كشف الظنون 2/ 1780 - 1781.
(6) هذا جزء من حديث، أخرجه الترمذي في سننه، 4/ 361، عن عبد الله، كتاب البر والصلاة (28)، باب ما جاء في الكبر (61) الحديث رقم 1999، وتمامه: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه

الصفحة 298