كتاب كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم (اسم الجزء: 1)

بالسيف استعارة بالكناية، وبيت أبي الطيب خال عنهما. ومثال الثالث قول أبي زياد «1»:
ولم يك أكثر الفتيان مالا ولكن كان أرحبهم ذراعا يعني أن الممدوح ليس أكثر الناس مالا ولكن أوسعهم باعا أي سخي. وقول أشجع «2»:
وليس بأوسعهم في الغنى ولكنّ معروفه أوسع فالبيتان متماثلان هكذا في المطوّل والمختصر.
وأمّا غير الظاهر فمنه أن يتشابه المعنيان أي معنى البيت الأول والثاني كقول جرير «3»:
فلا يمنعك من إرب لحاهم سواء ذو العمامة والخمار أي لا يمنعك من الحاجة كون هؤلاء على صورة الرجال، لأنّ الرجال منهم والنساء في الضعف سواء. وقول أبي الطيب:
ومن في كفه منهم قناة كمن في كفه منهم خضاب ويجوز في تشابه المعنيين أن يكون أحد البيتين نسيبا والآخر مديحا أو هجاء أو افتخارا أو غير ذلك، فإنّ الشاعر الحاذق إذا قصد إلى المعنى المختلس لينظمه احتال في إخفائه فيغير لفظه ويصرفه عن نوعه من النسيب أو المديح أو غير ذلك، وعن وزنه وعن قافيته كقول البحتري:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهم محمرّة فكأنّهم لم يسلبوا يعني أنّهم سلبوا عن ثيابهم ثم كانت الدماء المشرقة عليهم بمنزلة الثياب لهم، وقول أبي الطيب:
يبس النجيع عليه وهو مجرّد عن غمده فكأنّما هو مغمد يعني أنّ السيف جرد عن غمده فكأنّ الدم اليابس عليه بمنزلة الغمد له. فنقل أبو الطيب المعنى من القتلى إلى السيف، كذا في المطول والمختصر. ومنه أن يكون معنى الثاني أشمل من معنى الأول كقول جرير:
إذا غضبت عليك بنو تميم وجدت الناس كلهم غضابا وقول أبي نواس «4»:
ليس من الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد فالأول يختص ببعض العالم وهم الناس وهذا يشملهم وغيرهم لأنّ العالم ما سوى الله تعالى مشتقّ من العلم بمعنى العلامة لأنّ كل ما
__________
(1) هو محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي، أبو عبد الله. ولد عام 150 هـ/ 767 م. وتوفي عام 231 هـ/ 845 م. راوية، نسّابة، عالم باللغة والأدب. له عدة مصنفات هامة. الاعلام 6/ 131، وفيات الاعيان 1/ 492، تاريخ بغداد 5/ 282، طبقات النحويين 213، ارشاد الاريب 7/ 5.
(2) هو أشجع بن عمرو السلمي، ابو الوليد، من بني سليم من قيس عيلان. توفي نحو 195 هـ/ نحو 811 م شاعر فحل، كان معاصرا لبشار. مدح بعض الخلفاء الاعلام، 1/ 331، الاغاني 17/ 30، تهذيب ابن عساكر 3/ 59، تاريخ بغداد 7/ 45، الشعر والشعراء 373، الخزانة 1/ 143.
(3) هو جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي بن بدر الكلبي اليربوعي، من تميم. ولد عام 18 هـ/ 640 م وتوفي عام 110 هـ/ 728 م.
أشعر أهل عصره، وكان واحدا من المثلث الأموي مع الفرزدق والأخطل. وكانت له معهما نقائض. اشتهر بالغزل والهجاء. له ديوان مطبوع. الأعلام 2/ 119، وفيات الاعيان 1/ 102، أشعر والشعراء 179، خزانة الادب 1/ 36.
(4) هو الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن صباح الحكمي، ابو نواس. ولد بالأهواز عام 146 هـ/ 763 م. وتوفي ببغداد عام 198 هـ/ 814 م. شاعر العراق في عصره. اشتهر بخمرياته وغزله. له عدة دواوين شعر مطبوعة. الاعلام 2/ 225، تهذيب ابن عساكر 4/ 254، نزهة الجليس 1/ 302، خزانة الادب 1/ 168، وفيات الاعيان 1/ 135، تاريخ بغداد 7/ 436.

الصفحة 950