كتاب إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)
على هذا قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} [سبأ: ٤٠، ٤١]، فدل على أن العابد يصير وليًّا للمعبود. ويصير المعنى كأنهم قالوا: ما كان ينبغي لنا أن نأمر غيرنا باتخاذنا أولياء، وأن نتخذ من دونك وليًّا يعبدنا، وهذا أبسط، لقول ابن عباس في هذه الآية قال: يقولون: ما تولَّيناهم، ولا أحببنا عبادتهم.
قال: ويحتملُ أن يكون قولُهم: {مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} أن يريدوا مَعْشَرَ العبيد لا أنفسهم، أي: نحن وهم عبيدك، [فكان لا ينبغي لعبيدك] (¬١) أن يتخذوا من دونك أولياء، ولكنهم أضافوا ذلك إلى أنفسهم تواضعًا منهم، كما يقول الرجل لمن أتى مُنكرًا: ما كان ينبغي لي أن أفعل مثل هذا، أي: أنت مثلي عبد محاسب، فإذا لم يحسنْ من مثلي أن يفعل هذا لم يحسن منك أيضًا.
قال: ولهذا الإشكال قرأ مَنْ قرأ {نُتّخَذَ} بضم النون، وهذه القراءةُ أقربُ في التأويل.
لكن قال الزّجَّاج (¬٢): هذه القراءة خطأ، لأنك تقول: ما اتخذتُ من أحدٍ وليًّا، ولا يجوز ما اتخذتُ أحدًا من ولي، لأن (من) إنما دخلت لأنها تنفي واحدًا من معنى جميع، تقول: ما من أحد قائمًا، وما من رجل محبًّا لما يضرّهُ، ولا يجوز: ما رجل من محب لما يضره ولا وجه عندنا لهذا البتة،
---------------
(¬١) ساقطة من النسخ، والاستدراك من البسيط.
(¬٢) معاني القرآن له (٤/ ٦٠، ٦١).