يقول ناراهما مُخْتَلِفتانِ هذه تَدْعو إِلى الله وهذه تدعو إِلى الشيطان فكيف تَتَّفِقانِ ؟ والأَصل في تَراءَى تَتَراءَى فحذف إِحدى التاءين تخفيفاً ويقال تَراءَينا فلاناً أَي تَلاقَيْنا فَرَأَيْتُه ورَآني وقال أَبو الهيثم في قوله لا تَراءَى نارَاهُما أَي لا يَتَّسِمُ المُسْلِم بسِمَةِ المُشْرِك ولا يَتَشَبَّه به في هَدْيِه وشَكْلِهِ ولا يَتَخَلّق بأَخْلاقِه من قولك ما نَارُ بَعِيرِكَ أَي ما سِمةُ بعِيرِكَ وقولهم دَارِي تَرَى دارَ فلانٍ أَي تُقابِلُها وقال ابن مقبل سَلِ الدَّار مِنْ جَنْبَيْ حَبِيرٍ فَواحِفِ إِلى ما رأَى هَضْبَ القَلِيبِ المصَبَّحِ أَراد إِلى ما قابَلَه ويقال مَنازِلُهم رِئَاءٌ على تقدير رِعَاء إِذا كانت مُتَحاذِيةً وأَنشد لَيالِيَ يَلْقَى سرْبُ دَهْماء سِرْبَنَا ولَسْنا بِجِيرانٍ ونَحْنُ رِئَاءُ ويقال قَوْمِ رِئَاءٌ يقابلُ بعضُهُم بعضاً وكذلك بُيوتُهُم رِئَاءٌ وتَرَاءَى الجَمْعانِ رَأَى بعضُهُم بعضاً وفي حديث رَمَلِ الطَّوافِ إِنما كُنَّا راءَيْنا به المشركين هو فاعَلْنا من الرُّؤْية أَي أَرَيْناهم بذلك أَنَّا أَقْوِياء وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم إِنَّ أَهلَ الجَنَّةِ ليَتَراءَوْنَ أَهلَ عِلِّيِّين كما تَرَوْنَ الكَوْكَب الدُّرِّيَّ في كَبِدِ السماء قال شمر يتَراءَوْنَ أَي يتَفاعَلون أَي يَرَوْنَ يَدُلُّ على ذلك قولُه كما تَرَوْن والرَّأْيُ معروفٌ وجمعه أَرْآءٌ وآراءٌ أَيضاً مقلوب ورَئِيٌّ على فَعِيل مثل ضَأْنٍ وضَئِينٍ وفي حديث الأَزرق بن قيس وفِينا رجُلٌ له رَأْيٌ يقال فلانٌ من أَهل الرَّأْي أَي أَنه يَرَى رَأْيَ الخوارج ويقول بمَذْهَبِهم وهو المراد ههنا والمُحَدِّثون يُسَمُّون أَصحابَ القياسِ أَصحابَ الرَّأْي يَعْنُون أَنهم يأْخذون بآرائِهِم فيما يُشْكِلُ من الحديث أَو ما لم يَأْتِ فيه حديث ولا أَثَرٌ والرَّأْيُ الاعتِقادُ اسمٌ لا مصدرٌ والجمع آراءٌ قال سيبويه لم يكَسَّر على غير ذلك وحكى اللحياني في جمعه أَرْءٍ مثل أَرْعٍ ورُئِيٌّ ورِئِيُّ ويقال فلان يتَراءَى بِرَأْيِ فلان إِذا كان يَرَى رَأْيَه ويَمِيلُ إِليه ويَقْتَدي به وأَما ما أَنشده خَلَفٌ الأَحمر من قول الشاعر أَما تَراني رَجُلاً كما تَرَى أَحْمِلُ فَوْقي بِزَّنِي كما تَرَى على قَلُوص صعبة كما تَرَى أَخافُ أَن تَطْرَحَني كما تَرَى فما تَرى فيما تَرَى كما تَرَى قال ابن سيده فالقول عندي في هذه الأَبيات أَنها لو كانت عدَّتُها ثلاثة لكان الخطب فيها أَيسر وذلك لأَنك كنت تجعل واحداً منها من رُؤْية العَيْنِ كقولك كما تُبْصِر والآخر من رُؤْية القَلْبِ في معنى العلم فيصير كقولك كما تَعْلم والثالث من رأَيْت التي بمعنى الرَّأْي الاعتقاد كقولك فلان يرَى رَأْي الشُّراةِ أَي يعتَقِدُ اعْتِقادَهم ومنه قوله عز وجل لتَحْكُم بين الناسِ بما أَرَاكَ اللهُ فحاسَّةُ البَصَر ههنا لا تتَوَجَّه ولا يجوز أَن يكون بمعنى أَعْلَمَك الله لأَنه لو كان كذلك لوَجَب تعدِّيه إِلى ثلاثة مَفْعولِين وليس هناك إِلا مفعولان أَحدهما الكاف في أَراك والآخر الضمير المحذوف للغائب أَي أَراكَه وإِذا تعدَّت أَرى هذه إلى مفعولين لم يكن من الثالث بُدُّ أَوَلا تَراكَ تقول فلان يَرَى رأْيَ الخوارج ولا تَعْني أَنه يعلم ما يَدَّعون هُمْ عِلْمَه وإِنما تقول إِنه يعتقد ما يعتقدون وإِن كان هو وهم عندك غير عالمين بأَنهم على الحق فهذا قسم ثالث لرأَيت قال ابن سيده فلذلك قلنا لو كانت الأَبيات ثلاثة لجاز أَن لا يكون فيها إِيطاء لاختلاف المعاني وإِن اتفقت الأَلفاظ وإِذْ هِي خمسة فظاهر أَمرها أَن تكون إِيطاء لاتفاق الأَلفاظ والمعاني جميعاً وذلك أَن العرب قد أَجرت الموصول والصلة مُجْرى الشيء الواحد ونَزَّلَتْهما منزلة الخبر المنفرد وذلك نحو قول الله عز وجل الذي هو يُطْعِمُني ويَسْقِينِ وإِذا مَرِضْتُ فهُو يَشْفِينِ والذي يُميتُني ثم يُحْيِينِ والذي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لي خطيئَتي يومَ الدِّينِ لأَنه سبحانه هو الفاعل لهذه الأَشياء كلها وحده والشيء لا يُعْطَف على نفسِه ولكن لما كانت الصلة والموصول كالخبر الواحد وأَراد عطف الصلة جاء معها بالموصول لأَنهما كأَنهما كلاهما شيء واحد مفرد وعلى ذلك قول الشاعر أَبا ابْنَةَ عبدِ الله وابْنَةَ مالِكٍ ويا ابْنَةَ ذي الجَدَّينِ والفَرَسِ الوَرْدِ إِذا ما صَنَعْتِ الزَّادَ فالْتَمِسي لهُ أَكِيلاً فإِني لسْتُ آكُلُه وَحْدي فإِنما أَراد أَيا ابْنة عبدِ الله ومالِكٍ وذي الجَدّين لأَنها واحدةٌ أَلا تَراهُ يقول صنعتِ ولم يَقُلْ صنعتُنَّ ؟ فإِذا جازَ هذا في المضاف والمضاف إِليه كان في الصِّلَةِ والموصولِ أَسْوَغَ لأَنَّ اتِّصالَ الصِّلَةِ بالموصول أَشدُّ من اتصال المضافِ إِليه بالمُضاف وعلى هذا قول الأَعرابي وقد سأَله أَبو الحسن الأَخفشُ عن قول الشاعر بَناتُ وَطَّاءٍ على خَدِّ اللَّيْل فقال له أَين القافية ؟ فقال خدّ الليلْ قال أَبو الحسن الأَخفش كأَنه يريد الكلامَ الذي في آخر البيت قلَّ أَو كَثُر فكذلك أَيضاً يجعل ما تَرَى وما تَرَى جميعاً القافية