كتاب لسان العرب - ط المعارف (اسم الجزء: 1)

(الباء)
من الحُروف المَجْهُورة ومن الحروف الشَّفَوِيَّةِ وسُمِّيت شَفَوِيَّةً لأَن مَخْرَجَها من بينِ الشَّفَتَيْنِ لا تَعْمَلُ الشَّفتانِ في شيءٍ من الحروف إِلاّ فيها وفي الفاء والميم قال الخليل بن أَحمد الحروف الذُّلْقُ والشَّفَوِيَّةُ ستة الراءُ واللام والنون والفاءُ والباءُ والميم يجمعها قولك رُبَّ مَنْ لَفَّ وسُمِّيت الحروف الذُّلْقُ ذُلْقاً لأَن الذَّلاقة في المَنْطِق إِنما هي بطَرف أَسَلةِ اللِّسان وذَلَقُ اللسان كذَلَقِ السِّنان ولمَّا ذَلِقَتِ الحُروفُ الستةُ وبُذِلَ بهنَّ اللِّسانُ وسَهُلت في المَنْطِقِ كَثُرَت في أَبْنِية الكلام فليس شيءٌ من بناءِ الخُماسيّ التامِّ يَعْرَى منها أَو مِن بَعْضِها فإِذا ورد عليك خُماسيٌّ مُعْرًى من الحُروف الذُّلْقِ والشَّفَوِيَّة فاعلم أَنه مُولَّد وليس من صحيح كلام العرب وأَما بناءُ الرُّباعي المنْبَسِط فإِن الجُمهور الأَكثرَ منه لا يَعْرى من بَعض الحُروف الذُّلْقِ إِلا كَلِماتٌ نَحوٌ من عَشْر ومَهْما جاءَ من اسْمٍ رُباعيّ مُنْبَسِطٍ مُعْرًى من الحروف الذلق والشفوية فإِنه لا يُعْرَى من أَحَد طَرَفَي الطَّلاقةِ أَو كليهما ومن السين والدال أَو احداهما ولا يضره ما خالَطه من سائر الحُروف الصُّتْمِ
(با) الباء حرف هجاء من حروف المعجم وأَكثر ما تَرِد بمعنى الإِلْصاق لما ذُكِر قَبْلها من اسم أَو فعل بما انضمت إليه وقد تَرِدُ بمعنى المُلابسة والمُخالَطة وبمعنى من أَجل وبمعنى في ومن وعن ومع وبمعنى الحال والعوض وزائدةً وكلُّ هذه الأَقسامِ قد جاءت في الحديث وتعرف بسياق اللفظ الواردة فيه والباء التي تأْتي للإلصاق كقولك أَمْسَكْت بزيد وتكون للاستعانة كقولك ضَرَبْتُ بالسيَّف وتكون للإِضافة كقولك مررت بزيد قال ابن جني أَما ما يحكيه أَصحاب الشافعي من أَن الباءَ للتبعيض فشيء لا يعرفه أَصحابنا ولا ورد به بيت وتكون للقسم كقولك بالله لأَفْعَلَنَّ وقوله تعالى أَوَلم يَرَوا أَن الله الذي خَلَقَ السمواتِ والأَرضَ ولم يَعْيَ بخلقهن بقادرٍ إنما جاءَت الباء في حَيِّز لم لأَنها في معنى ما وليس ودخلت الباءُ في قوله وأَشْرَكُوا بالله لأَن معنى أَشرَكَ بالله قَرَنَ بالله عز وجل غيره وفيه إضمار والباء للإِلْصاق والقِرانِ ومعنى قولهم وَكَّلْت بفلان معناه قَرَنْتُ به وَكيلاً وقال النحويون الجالِبُ للباء في بسم الله معنى الابتداء كأَنه قال أَبتدئ باسم الله وروي عن مجاهد عن ابن عمر أَنه قال رأَيته يَشْتَدُّ بين الهَدَفَيْن في قميص فإذا أَصاب خَصْلةً يقول أَنا بها أَنا بها يعني إِذا أَصاب الهَدَفَ قال أَنا صاحِبُها ثم يرجع مُسكِّناً قومه حتى يمُرَّ في السوق قال شمر قوله أَنا بها يقول أَنا صاحِبُها وفي حديث سلمة بن صَخْر أَنه أَتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أَن رجلاً ظاهَرَ امرأَتَه ثم وقَع عليها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لَعَلَّكَ بذَلِك يا سلَمةُ؟ فقال نَعَم أَنا بذَلِكَ يقول لعلك صاحِبُ الأَمْر والباء متعلقة بمحذوف تقديره لعلك المُبْتَلى بذلك وفي حديث عمر رضي الله عنه أَنه أُتِيَ بامرأَةٍ قد زَنَتْ فقال مَنْ بِكِ؟ أَي من الفاعِلُ بكِ يقول مَن صاحِبُك وفي حديث الجُمعة مَن تَوَضَّأَ للجُمعة فبِها ونِعْمَتْ أَي فبالرُّخصة أَخَذَ لأَن السُّنة في الجمعة الغُسلُ فأَضمر تقديره ونِعْمَت الخَصْلَةُ هي فحذَف المخصوص بالمدح وقيل معناه فبالسُّنْة أَخذَ والأَوَّل أَوْلى وفي التنزيل العزيز فسَبِّحْ بحَمْدِ رَبِّك الباء هَهُنا للالتباس والمخالطة كقوله عز وجل تَنْبُتُ بالدُّهن أَي مُخْتَلِطَة ومُلْتَبِسة به ومعناه اجْعَلْ تَسْبِيحَ اللهِ مُخْتَلِطاً ومُلْتَبِساً بحمده وقيل الباء للتعدية كما يقال اذْهَب به أَي خُذْه معك في الذَّهاب كأَنه قال سَبِّحْ رَبَّكَ مع حمدك إياه وفي الحديث الآخر سُبْحَانَ الله وبحَمْده أَي وبحَمْده سَبَّحت وقد تكرر ذكر الباء المفردة على تقدير عامل محذوف قال شمر ويقال لمَّا

الصفحة 196