كتاب لسان العرب - ط المعارف (اسم الجزء: 4)

وعَفا عن ذَنْبِه عَفْواً صَفَح وعَفا الله عنه وأَعْفاه وقوله تعالى فمَن عُفِيَ له من أَخيه شيءٌ فاتِّباعٌ بالمعروف وأَداءٌ إِليه بإِحسانٍ قال الأَزهري وهذه آية مشكلة وقد فسَّرها ابن عباس ثم مَنْ بعدَه تفسيراً قَرَّبوه على قَدْر أَفْهام أَهل عصرهم فرأَيتُ أَن أَذكُر قولَ ابن عباس وأُؤَيِّدَه بما يَزيدهُ بياناً ووُضوحاً روى مجاهد قال سمعت ابنَ عباسٍ يقول كان القصاصُ في بني إِسرائيلَ ولم تكن فيهم الدِّيَة فقال الله عز وجل لهذه الأُمَّة كتِب عليكم القِصاصُ في القَتْلى الحرُّ بالحُرِّ والعبدُ بالعبدِ والأُنثْى بالأُنْثى فمن عُفِيَ له من أَخيه شيءٌ فاتّباع بالمعروف وأَداءٌ إِليه بإِحسان فالعَفْوُ أَن تُقْبَلَ الديَةُ في العَمْدِ ذلك تخفيفٌ من ربِّكم مما كُتِبَ على من كان قَبْلَكم يطلُب هذا بإِحسانٍ ويُؤَدِّي هذا بإحسانٍ قال الأَزهري فقول ابن عباس العَفْوُ أَن تُقْبَل الديَة في العَمْد الأَصلُ فيه أَنَّ العَفْو في موضوع اللغة الفضلُ يقال عَفا فلان لفلان بماله إِذا أَفضَلَ له وعفَا له عَمَّا له عليه إِذا تَرَكه وليس العَفْو في قوله فمن عُفِيَ له من أَخيه عَفْواً من وليِّ الدَّمِ ولكنه عفوٌ من الله عز وجل وذلك أَنَّ سائرَ الأُمَم قبلَ هذه الأُمَّة لم يكن لهم أَخذُ الدِّية إِذا قُتِلَ قتيل فجعَله الله لهذه الأُمة عَفْواً منه وفَضْلاً مع اختيار وَليِّ الدمِ ذلك في العمْد وهو قوله عز وجل فمن عُفِيَ له من أَخيه شيءٌ فاتّباعٌ بالمعروف أَي مَن عَفا اللهُ جَلَّ اسمُه بالدّية حين أَباحَ له أَخْذَها بعدما كانت مَحْظُورةً على سائر الأُمم مع اختياره إِيَّاها على الدَّمِ فعليه اتِّباع بالمعروف أَي مطالبَة للدِّية بمعرُوف وعلى القاتل أَداءُ الديَةِ إِليه بإحْسانٍ ثم بَيَّنَ ذلك فقال ذلك تخفيفٌ من ربكم لكم يا أُمَّة محمدٍ وفَضْل جعله الله لأَوْلِياءِ الدم منكم ورحمةٌ خصَّكم بها فمن اعْتَدَى أَي فمن سَفَك دَمَ قاتل وليِّه بعدَ قبولِه الدِّيَة فله عذاب أَليم والمعنى الواضح في قوله عز وجل فمن عُفِيَ له من أَخيه شيء أي من أُحِلَّ لَه أَخذُ الدِّية بدلَ أَخيه المَقتول عفْواً من الله وفَضْلاً مع اختياره فلْيطالِبْ بالمَعْروف ومِن في قوله مِنْ أَخيه معناها البدل والعَرَبُ تقولُ عرَضْتُ له من حَقِّه ثَوْباً أَي أَعْطَيْته بدَل حقّه ثوباً ومنه قول الله عز وجل ولو نَشاءُ لَجَعَلْنا منكُم ملائكَة في الأَرض يَخْلُقُون يقول لو نشاء لجعلنا بدلكم ملائكة في الأَرض والله أَعلم قال الأَزهري وما علمت أَحداً أَوضَح من مَعْنى هذه الآية ما أَوْضَحْتُه وقال ابن سيده كان الناسُ من سائِر الأُمَمِ يَقْتُلون الواحدَ بالواحدِ فجعل الله لنا نحنُ العَفْوَ عَمَّن قتل إِن شِئْناه فعُفِيَ على هذا مُتَعَدٍّ أَلا تراه مُتَعَدِّياً هنا إِلى شيء ؟ وقوله تعالى إِلاَّ أَنْ يَعْفُون أَو يَعْفُوَ الذي بيده عُقْدَة النِّكاح معناه إِلا أَن يَعْفُوَ النساء أَو يعفُوَ الذي بيده عُقْدَة النكاح وهو الزَّوْجُ أَو الوَليُّ إِذا كان أَباً ومعنى عَفْوِ المَرْأَة أَن تَعْفُوَ عن النِّصْفِ الواجبِ لها فتَتْرُكَه للزوج أَو يَعْفُوَ الزوج بالنّصفِ فيُعْطِيَها الكُلَّ قال الأَزهري وأَما قولُ الله عزَّ وجلَّ في آية ما يجبُ للمرأَة من نصف الصَّداق إِذا طُلِّقَت قبل الدخول بها فقال إِلاَّ أَن يعفُونَ أَو يَعْفُوَ الذي بيده عُقْدَة النكاحِ فإن العَفْوَ ههنا معناهُ الإِفْضالُ بإعْطاء ما لا يَجبُ عليه أَو تركُ المرأَة ما يَجبُ لها يقال عَفَوْتُ لِفلان بمالي إِذا أَفْضَلْت له فأَعْطَيْته وعَفَوْت له عمَّا لي عليه إِذا تركْتَه له وقوله إِلاَّ أَن يَعْفُونَ فِعْلٌ لجَماعَةِ النِّساءِ يطلِّقُهُنَّ أَزْواجُهُنَّ قبل أَن يَمَسُّوهُنَّ مع تسمية الأَزْواجِ لهنَّ مُهورَهُنَّ فيَعْفُون لأَزْواجِهِنَّ بما وَجَب لهن من نِصفِ المْهرِ ويَتْرُكْنَه لَهُم أَو يَعْفُوَ الذي بيدِه عُقْدةُ النكاحِ وهو الزوج بأَن يُتَمِّمَ لها المَهْر كله وإِنما وَجَبَ لها نصْفُه وكلُّ واحد من الزَّوْجين عافٍ أَي مُفْضِلٌ أَما إِفْضالُ المرأَةِ فأَن تتركَ للزوج المُطَلِّق ما وجَبَ لها عليه من نِصف المَهْر وأَما إِفْضاله فأَنْ يُتِمَّ لها المَهْرَ كَمَلاً لأَنَّ الواجِبَ عليه نصْفُه فيُفْضِلُ مُتَبَرِّعاً بالكلِّ والنونُ من قوله يعفُون نونُ فِعلِ جماعةِ النساءِ في يَفْعُلْنَ ولو كان للرجال لوجَبَ أَن يقال إِلاَّأَن يعفُوا لأَنَّ أَن تنصب المستقبلَ وتحذف النونَ وإِذا لم يكن مع فعلِ الرجال ما ينْصِب أَو يجزِم قيل هُم يَعْفُونَ وكان في الأَصل يَعْفُوُون فحُذِفت إِحْدى الواوينِ استثقالاً للجمع بينهما فقيل يَعْفُونَ وأَما فِعلُ النساء فقِيلَ لهُنَّ يَعْفُونَ لأَنه على تقدير يَفْعُلْنَ ورجل عَفُوٌّ عن الذَّنْبِ عافٍ وأَعْفاهُ من الأَمرِ بَرَّأَه واسْتَعْفاه طَلَب ذلك منه والاسْتِعْفاءُ أَن تَطْلُب إِلى مَنْ يُكَلِّفُكَ أَمراً أَن يُعْفِيَكَ مِنْه يقال أَعْفِني منَ الخرُوجِ مَعَك أَي دَعْني منه واسْتَعْفاهُ من الخُروجِ مَعَه أَي سأَله الإِعفاءَ منه وعَفَت الإِبلُ المَرعى تَناولَتْه قَريباً وعَفاه يَعْفُوه أَتاه وقيل أَتاه يَطْلُب معروفه والعَفْوُ المَعْروف والعَفْوُ الفضلُ وعَفَوْتُ الرجلَ إذا طَلَبْتَ فضلَه والعافية والعُفاةُ والعُفَّى الأَضْيافُ وطُلاَّب المَعْرُوف وقيل هم الذين يَعْفُونك أي يأْتونك يَطْلبُون ما عندك وعافيةُ الماء وارِدَتُه واحدهم عافٍ وفلان تَعْفُوه الأَضْيافُ وتَعْتَفيه الأَضْيافُ وهو كثير العُفَاةِ وكثيرُ العافية وكثيرُ العُفَّى والعافي الرائدُ والوارِدُ لأَن ذلك كلَّه طلبٌ قال الجُذامي يصف ماءً ذا عَرْمَضٍ تَخْضَرُّ كَفُّ عافِيهْ أَي وارِدِه أَو مُسْتَقِيه والعافيةُ طُلاَّبُ الرزقِ من الإِنسِ والدوابِّ والطَّيْر أَنشد ثعلب

الصفحة 3019