كتاب لسان العرب - ط المعارف (اسم الجزء: 5)

بما كانوا عاملين يَذْهَبُ إلى أَنهم إنما يُولدون على ما يَصيرون إليه من إسلامٍ أَو كفرٍ قال أَبو عبيد وسأَلت محمد بن الحسن عن تفسير هذا الحديث فقال كان هذا في أول الإِسلام قبل نزول الفرائض يذهب إلى أَنه لو كان يُولدُ على الفِطْرَةِ ثم مات قبل أَن يُهَوِّدَه أَبوان ما وَرِثَهُما ولا وَرِثَاه لأَنه مسلم وهما كافران قال أَبو منصور غَبَا على محمد بن الحسن معنى قوله الحديث فذهب إلى أَنَّ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كلُّ مولود يُولد على الفِطْرةِ حُكْم من النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول الفرائض ثم نسخ ذلك الحُكْم من بَعْدُ قال وليس الأَمرُ على ما ذهب إليه لأَن معنى كلُّ مولود يُولد على الفِطْرةِ خبر أَخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عن قضاءٍ سبقَ من الله للمولود وكتابٍ كَتَبَه المَلَكُ بأَمر الله جل وعز من سعادةٍ أَو شقاوةٍ والنَّسْخ لا يكون في الأَخْبار إنما النسخ في الأَحْكام قال وقرأْت بخط شمر في تفسير هذين الحديثين أَن إِسحق ابن إِبراهيم الحَنْظلي روى حديثَ أَبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم كلُّ مولودٍ يُولد على الفطرة « الحديث » ثم قرأَ أَبو هريرة بعدما حَدَّثَ بهذا الحديث فِطْرَةَ الله التي فَطَرَ الناس عليها لا تَبْديل لخَلْقِ الله قال إسحق ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم على ما فَسَّر أَبو هريرة حين قَرَأَ فِطْرَةَ اللهِ وقولَه لا تبديل يقول لَتلْكَ الخلقةُ التي خَلَقهم عليها إِمَّا لجنةٍ أَو لنارٍ حين أَخْرَجَ من صُلْب آدم ذرية هو خالِقُها إلى يوم القيامة فقال هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار فيقول كلُّ مولودٍ يُولَدُ على تلك الفِطْرةِ أَلا ترى غلامَ الخَضِر عليه السلام ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طَبَعهُ الله يوم طَبَعه كافراً وهو بين أَبوين مؤمنين فأَعْلَمَ اللهُ الخضرَ عليه السلام بِخلْقته التي خَلَقَه لها ولم يُعلم موسى عليه السلام ذلك فأَراه الله تلك الآية ليزداد عِلْماً إلى علمه قال وقوله فأَبواهُ يُهوِّدانِهِ ويُنَصِّرانِه يقول بالأبوين يُبَيِّن لكم ما تحتاجون إليه في أَحكامكم من المواريث وغيرها يقول إذا كان الأَبوان مؤمنين فاحْكُموا لِولدهما بحكم الأبوين في الصلاة والمواريث والأَحكام وإن كانا كافرين فاحكموا لولدهما بحكم الكفر ( * كذا بياض بالأصل ) أَنتم في المواريث والصلاة وأَما خِلْقَته التي خُلِقَ لها فلا عِلْمَ لكم بذلك أَلا ترى أَن ابن عباس رضي ا عنهما حين كَتَبَ إليه نَجْدَةُ في قتل صبيان المشركين كتب إليه إنْ علمتَ من صبيانهم ما عَلِمَ الخضُر من الصبي الذي قتله فاقْتُلْهُم ؟ أَراد به أَنه لا يعلم عِلْمَ الخضرِ أَحدٌ في ذلك لما خصه الله به كما خَصَّه بأَمر السفينة والجدار وكان مُنْكَراً في الظاهر فَعَلَّمه الله علم الباطن فَحَكَم بإرادة اللهتعالى في ذلك قال أَبو منصور وكذلك أَطفال قوم نوح عليه السلام الذين دعا على آبائهم وعليهم بالغَرَقِ إنما الدعاء عليهم بذلك وهم أَطفال لأَن الله عز وجل أَعلمه أَنهم لا يؤمنون حيث قال له لن يُؤْمِنَ من قومك إلا منْ آمن فأَعْلَمه أَنهم فُطِروا على الكفر قال أَبو منصور والذي قاله إِسحق هو القول الصحيح الذي دَلَّ عليه الكتابُ ثم السنَّةُ وقال أَبو إسحق في قول الله عز وجل فِطْرَةَ الله التي فَطَرَ الناس عليها منصوب بمعنى اتَّبِعْ فِطْرَةَ الله لأَن معنى قوله فأَقِمْ وجهَك اتََّبِعِ الدينَ القَيّم اتَّبِعْ فِطْرَةَ الله أَي خِلْقةَ الله التي خَلَق عليها البشر قال وقول النبي صلى الله عليه وسلم كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفِطرةِ معناه أَن الله فَطَرَ الخلق على الإِيمان به على ما جاء في الحديث إن الله أَخْرَجَ من صلب آدم ذريتَه كالذَّرِّ وأَشهدهم على أَنفسهم بأَنه خالِقُهم وهو قوله تعالى وإذ أَخذ ربُّك من بني آدم إلى قوله قالوا بَلى شَهِدْنا قال وكلُّ مولودٍ هو من تلك الذريَّةِ التي شَهِدَتْ بأَن الله خالِقُها فمعنى فِطْرَة الله أَي دينَ الله التي فَطَر الناس عليها قال الأَزهري والقول ما قال إِسحقُ ابن إِبراهيم في تفسير الآية ومعنى الحديث قال والصحيح في قوله فِطْرةَ اللهِ التي فَطَرَ الناس عليها اعلَمْ فِطْرةَ اللهِ التي فَطَرَ الناس عليها من الشقاء والسعادة والدليل على ذلك قوله تعالى لا تَبديلَ لخلق الله أَي لا تبديل لما خَلَقَهم له من جنة أَو نار والفِطْرةُ ابتداء الخلقة ههنا كما قال إسحق ابن الأَثير في قوله كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ قال الفَطْرُ الابتداء والاختراع والفِطرَةُ منه الحالة كالجِلْسةِ والرِّكْبةِ والمعنى أَنه يُولَدُ على نوع من الجِبِلَّةِ والطَّبْعِ المُتَهَيِّء لقبول الدِّين فلو تُرك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها وإنما يَعْدل عنه من يَعْدل لآفة من آفات البشر والتقليد ثم بأَولاد اليهود والنصارى في اتباعهم لآبائهم والميل إلى أَديانهم عن مقتضى الفِطْرَةِ السليمة وقيل معناه كلُّ مولودٍ يُولد على معرفة الله تعالى والإِقرار به فلا تَجِد أَحداً إلا وهو يُقِرّ بأَن له صانعاً وإن سَمَّاه بغير اسمه ولو عَبَدَ معه غيره وتكرر ذكر الفِطْرةِ في الحديث وفي حديث حذيفة على غير فِطْرَة محمد أَراد دين الإسلام الذي هو منسوب إليه وفي الحديث عَشْر من الفِطْرةِ أَي من السُّنّة يعني سُنن الأَنبياء عليهم الصلاة والسلام التي أُمِرْنا أَن نقتدي بهم فيها وفي حديث علي رضي الله عنه وجَبَّار القلوب على فِطَراتِها أَي على خِلَقِها جمع فِطَر وفِطرٌ جمع فِطْرةٍ

الصفحة 3434