كتاب لسان العرب - ط المعارف (اسم الجزء: 5)
البلاد فأَما قول أَهل الحجاز قِرَةُ البلاد فإِنما هو على حذف [ ص 133 ] الهمزة المتحرِّكة وإِلقائها على الساكن الذي قبلها وهو نوع من القياس فأَما إِغرابُ أبي عبيد وظَنُّه إِياه لغة فَخَطأٌ وفي الصحاح أَن قولهم قِرةٌ بغير همز معناه أَنه إِذا مَرِضَ بها بعد ذلك فليس من وَباءِ البلاد( قرب ) القُرْبُ نقيضُ البُعْدِ قَرُبَ الشيءُ بالضم يَقْرُبُ قُرْباً وقُرْباناً وقِرْباناً أَي دَنا فهو قريبٌ الواحد والاثنان والجميع في ذلك سواء وقوله تعالى ولو تَرَى إِذ فَزِعُوا فلا فَوْتَ وأُخِذُوا من مكانٍ قريبٍ جاءَ في التفسير أُخِذُوا من تحتِ أَقدامهم وقوله تعالى وما يُدْرِيكَ لعلَّ الساعةَ قريبٌ ذَكَّر قريباً لأَن تأْنيثَ الساعةِ غيرُ حقيقيّ وقد يجوز أَن يُذَكَّر لأَن الساعةَ في معنى البعث وقوله تعالى واستمع يوم يُنادي المنادِ من مكانٍ قريبٍ أَي يُنادي بالحَشْرِ من مكانٍ قريب وهي الصخرة التي في بيت المَقْدِس ويقال إِنها في وسط الأَرض قال سيبويه إِنَّ قُرْبَك زيداً ولا تقول إِنَّ بُعْدَك زيداً لأَن القُرب أَشدُّ تَمكُّناً في الظرف من البُعْد وكذلك إِنَّ قريباً منك زيداً وأَحسنُه أَن تقول إِن زيداً قريب منك لأَنه اجتمع معرفة ونكرة وكذلك البُعْد في الوجهين وقالوا هو قُرابتُك أَي قَريبٌ منك في المكان وكذلك هو قُرابَتُك في العلم وقولهم ما هو بشَبِيهِكَ ولا بِقُرَابة مِن ذلك مضمومة القاف أَي ولا بقَريبٍ من ذلك أَبو سعيد يقول الرجلُ لصاحبه إِذا اسْتَحَثَّه تَقَرَّبْ أَي اعْجَلْ سمعتُه من أَفواههم وأَنشد يا صاحِبَيَّ تَرحَّلا وتَقَرَّبا فلَقَد أَنى لمُسافرٍ أَن يَطْرَبا التهذيب وما قَرِبْتُ هذا الأَمْرَ ولا قَرَبْتُه قال اللّه تعالى ولا تَقْرَبا هذه الشجرة وقال ولا تَقْرَبُوا الزنا كل ذلك مِنْ قَرِبتُ أَقْرَبُ ويقال فلان يَقْرُبُ أَمْراً أَي يَغْزُوه وذلك إِذا فعل شيئاً أَو قال قولاً يَقْرُبُ به أَمْراً يَغْزُوه ويُقال لقد قَرَبْتُ أَمْراً ما أَدْرِي ما هو وقَرَّبَه منه وتَقَرَّب إِليه تَقَرُّباً وتِقِرَّاباً واقْتَرَب وقاربه وفي حديث أَبي عارِمٍ فلم يَزَلِ الناسُ مُقارِبينَ له أَي يَقْرُبُونَ حتى جاوزَ بلادَ بني عامر ثم جَعل الناسُ يَبْعُدونَ منه وافْعَلْ ذلك بقَرابٍ مفتوحٌ أَي بقُرْبٍ عن [ ص 663 ] ابن الأَعرابي وقوله تعالى إِنَّ رحمةَ اللّه قَريبٌ من المحسنين ولم يَقُلْ قَريبةٌ لأَنه أَراد بالرحمة الإِحسانَ ولأَن ما لا يكون تأْنيثه حقيقيّاً جاز تذكيره وقال الزجاج إِنما قيل قريبٌ لأَن الرحمة والغُفْرانَ والعَفْو في معنًى واحد وكذلك كل تأْنيثٍ ليس بحقيقيّ قال وقال الأَخفش جائز أَن تكون الرحمة ههنا بمعنى المَطَر قال وقال بعضُهم هذا ذُكِّر ليَفْصِلَ بين القريب من القُرْب والقَريبِ من القَرابة قال وهذا غلط كلُّ ما قَرُبَ من مكانٍ أَو نَسَبٍ فهو جارٍ على ما يصيبه من التذكير والتأْنيث قال الفراءُ إِذا كان القريبُ في معنى المسافة يذكَّر ويؤَنث وإِذا كان في معنى النَّسَب يؤَنث بلا اختلاف بينهم تقول هذه المرأَة قَريبتي أَي ذاتُ قَرابتي قال ابن بري ذكر الفراءُ أَنَّ العربَ تَفْرُقُ بين القَريب من النسب والقَريب من المكان فيقولون هذه قَريبتي من النسب وهذه قَرِيبي من المكان ويشهد بصحة قوله قولُ امرئِ القيس
له الوَيْلُ إِنْ أَمْسَى ولا أُمُّ هاشمٍ ... قَريبٌ ولا البَسْباسةُ ابنةُ يَشْكُرا
فذكَّر قَريباً وهو خبر عن أُم هاشم فعلى هذا يجوز قريبٌ مني يريد قُرْبَ المَكان وقَريبة مني يريد قُرْبَ النَّسب ويقال إِنَّ فَعِيلاً قد يُحْمل على فَعُول لأَنه بمعناه مثل رَحيم ورَحُوم وفَعُول لا تدخله الهاءُ نحو امرأَة صَبُور فلذلك قالوا ريح خَريقٌ وكَنِيبة خَصِيفٌ وفلانةُ مني قريبٌ وقد قيل إِن قريباً أَصلهُ في هذا أَن يكونَ صِفةً لمكان كقولك هي مني قَريباً أَي مكاناً قريباً ثم اتُّسِعَ في الظرف فَرُفِع وجُعِلَ خبراً التهذيب والقَريبُ نقيضُ البَعِيد يكون تَحْويلاً فيَستوي في الذكر والأُنثى والفرد والجميع كقولك هو قَريبٌ وهي قريبٌ وهم قريبٌ وهنَّ قَريبٌ ابن السكيت تقول العرب هو قَريبٌ مني وهما قَريبٌ مني وهم قَرِيبٌ مني وكذلك المؤَنث هي قريب مني وهي بعيد مني وهما بعيد وهنّ بعيد مني وقريب فتُوَحِّدُ قريباً وتُذَكِّرُه لأَنه إِن كان مرفوعاً فإِنه في تأْويل هو في مكان قريب مني وقال اللّه تعالى إِن رحمة اللّه قريب من المحسنين وقد يجوز قريبةٌ وبَعيدة بالهاءِ تنبيهاً على قَرُبَتْ وبَعُدَتْ فمن أَنثها في المؤَنث ثَنَّى وجَمَع وأَنشد
لياليَ لا عَفْراءُ منكَ بعيدةُ ... فتَسْلى ولا عَفْراءُ منكَ قَريبُ
واقْتَرَبَ الوعدُ أَي تَقارَبَ وقارَبْتُه في البيع مُقاربة والتَّقارُبُ ضِدُّ التَّباعد وفي الحديث إِذا تَقاربَ الزمانُ وفي رواية إِذا اقْترَبَ الزمان لم تَكَدْ رُؤْيا المؤْمِن تَكْذِبُ قال ابن الأَثير أَراد اقترابَ الساعة وقيل اعتدالَ الليل والنهار وتكون الرؤْيا فيه صحيحةً لاعْتِدالِ الزمان