كتاب لسان العرب - ط المعارف (اسم الجزء: 5)

من ذلك لم يغفر له ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فأَما كفر الإِنكار فهو أَن يكفر بقلبه ولسانه ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد وكذلك روي في قوله تعالى إِن الذين كفروا سواء عليهم أَأَنذرتهم أَم لم تنذرهم لا يؤمنون أَي الذين كفروا بتوحيد الله وأَما كفر الجحود فأَن يعترف بقلبه ولا يقرّ بلسانه فهو كافر جاحد ككفر إِبليس وكفر أُمَيَّةَ بن أَبي الصَّلْتِ ومنه قوله تعالى فلما جاءهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا به يعني كُفْرَ الجحود وأَما كفر المعاندة فهو أَن يعرف الله بقلبه ويقرّ بلسانه ولا يَدِينَ به حسداً وبغياً ككفر أَبي جهل وأَضرابه وفي التهذيب يعترف بقلبه ويقرّ بلسانه ويأْبى أَن يقبل كأَبي طالب حيث يقول ولقد علمتُ بأَنَّ دينَ محمدٍ من خيرِ أَديانِ البَرِيَّةِ دِينَا لولا المَلامةُ أَو حِذارُ مَسَبَّةٍ لوَجَدْتَني سَمْحاً بذاك مُبِيناً وأَما كفر النفاق فأَن يقرّ بلسانه ويكفر بقلبه ولا يعتقد بقلبه قال الهروي سئل الأَزهري عمن يقول بخلق القرآن أَنسميه كافرراً ؟ فقال الذي يقوله كفر فأُعيد عليه السؤال ثلاثاً ويقول ما قال ثم قال في الآخر قد يقول المسلم كفراً قال شمر والكفر أَيضاً بمعنى البراءة كقول الله تعالى حكاية عن الشيطان في خطيئته إِذا دخل النار إِني كفرت بما أَشْركْتُمونِ من قَبْلُ أَي تبرأْت وكتب عبدُ الملك إِلى سعيد بن جُبَيْر يسأَله عن الكفر فقال الكفر على وجوه فكفر هو شرك يتخذ مع الله إِلهاً آخر وكفر بكتاب الله ورسوله وكفر بادِّعاء ولد الله وكفر مُدَّعي الإِسْلام وهو أَن يعمل أَعمالاً بغير ما أَنزل الله ويسعى في الأَرض فساداً ويقتل نفساً محرّمة بغير حق ثم نحو ذلك من الأَعمال كفرانِ أَحدهما كفر نعمة الله والآخر التكذيب بالله وفي التنزيل العزيز إِن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم قال أَبو إِسحق قيل فيه غير قول قال بعضهم يعني به اليهود لأَنهم آمنوا بموسى عليه السلام ثم كفروا بعزيز ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل جائز أَن يكون مُحاربٌ آمن ثم كفر وقيل جائز أَن يكون مُنافِقٌ أَظهر الإِيمانَ وأَبطن الكفر ثم آمن بعد ثم كفر وازداد كفراً بإِقامته على الكفر فإِن قال قائل الله عز وجل لا يغفر كفر مرة فلمَ قيل ههنا فيمن آمن ثم كفر ثم آمن ثم كفر لم يكن الله ليغفر لهم ما الفائدة في هذا ففالجواب في هذا والله أَعلم أَن الله يغفر للكافر إِذا آمن بعد كفره فإِن كفر بعد إِيمانه لم يغفر الله له الكفر الأَول لأَن الله يقبل التوبة فإِذا كَفَر بعد إِيمانٍ قَبْلَه كُفْرٌ فهو مطالبَ بجميع كفره ولا يجوز أَن يكون إِذا آمن بعد ذلك لا يغفر له لأَن الله عز وجل يغفر لكل مؤْمن بعد كفره والدليل على ذلك قوله تعالى وهو الذي يقبل التوبة عن عباده وهذا سيئة بالإِجماع وقوله سبحانه وتعالى ومن لم يحكم بما أَنزل الله فأُولئك هم الكافرون معناه أَن من زعم أَن حكماً من أَحكام الله الذي أَتت به الأَنبياء عليهم السلام باطل فهو كافر وفي حديث ابن عباس قيل له ومن لم يحكم بما أَنزل الله فأُولئك هم الكافرون وليسوا كمن كفر بالله واليوم الآخر قال وقد أَجمع الفقهاء أَن من قال إِن المحصنَين لا يجب أَن يرجما إِذا زنيا وكانا حرين كافر وإِنما كفر من رَدَّ حُكماً من أَحكام النبي صلى الله عليه وسلم لأَنه مكذب له ومن كذب النبي صلى الله عليه وسلم فهو قال كافر وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه إذا الرجل للرجل أَنت لي عدوّ فقد كفر أَحدهما بالإِسلام أَراد كفر نعمته لأَن الله عز وجل أَلف بين قلوبهم فأَصبحوا بنعمته إِخواناً فمن لم يعرفها فقد كفرها وفي الحديث من ترك قتل الحيات خشية النار فقد كفر أَي كفر النعمة وكذلك الحديث الآخر من أَتى حائضاً فقد كفر وحديث الأَنْواء إِن الله يُنْزِلُ الغَيْثَ فيُصْبِحُ قومٌ به كافرين يقولون مُطِرْنا بِنَوْءِ كذا وكذا أَي كافرين بذلك دون غيره حيث يَنْسُبون المطر إِلى النوء دون الله ومنه الحديث فرأَيت أَكثر أَهلها النساء لكفرهن قيل أَيَكْفُرْنَ بالله ؟ قال لا ولكن يَكْفُرْنَ الإِحسانَ ويَكْفُرْنَ العَشِيرَ أَي يجحدن إِحسان أَزواجهن والحديث الآخر سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ومن رغب عن أَبيه فقد كفر ومن ترك الرمي فنعمة كفرها والأَحاديث من هذا النوع كثيرة وأَصل الكفر تغطية الشيء تغطية تستهلكه وقال الليث يقال إِنما سمي الكافر كافراً لأَن الكفر غطى قلبه كله قال الأَزهري ومعنى قول الليث هذا يحتاج إِلى بيان يدل عليه وإِيضاحه أَن الكفر في اللغة التغطية والكافر ذو كفر أَي ذو تغطية لقلبه بكفره كما يقال للابس السلاح كافر وهو الذي غطاه السلاح ومثله رجل كاسٍ أَي ذو كُسْوَة وماء دافق ذو دَفْقٍ قال وفيه قول آخر أَحسن مما ذهب إِليه وذلك أَن الكافر لما دعاه الله إِلى توحيده فقد دعاه إِلى نعمة وأَحبها له إِذا أَجابه إِلى ما دعاه إِليه فلما أَبى ما دعاه إِليه من توحيده كان كافراً نعمة الله أَي مغطياً لها

الصفحة 3898

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text