في نصب قوله حقّاً على المحسنين وما أشبهه في الكتاب إنه نَصْب من جهة الخبر لا أنه من نعت قوله مَتاعاً بالمعروف حقّاً قال وهو كقولك عبدُ اللهِ في الدار حقْاً إنما نَصْبُ حقّاً من نية كلام المُخبِر كأنه قال أُخْبِركم بذلك حقّاً قال الأزهري هذا القول يقرب مما قاله أبو إسحق لأنه جعله مصدراً مؤكِّداً كأنه قال أُخبركم بذلك أحُقُّه حَقّاً قال أبو زكريا الفراء وكلُّ ما كان في القرآن من نَكِرات الحق أو معرفته أو ما كان في معناه مصدراً فوجه الكلام فيه النصب كقول الله تعالى وَعْدَ الحقِّ ووعدَ الصِّدْقِ والحَقِيقَةُ ما يصير إليه حَقُّ الأمر ووجُوبُه وبلغ حقيقةَ الأمر أي يَقِينَ شأْنه وفي الحديث لا يبلُغ المؤمن حقيقةَ الإيمان حتى لا يَعِيب مسلماً بِعَيْب هو فيه يعني خالِصَ الإيمان ومَحْضَه وكُنْهَه وحقيقةُ الرجل ما يلزمه حِفظه ومَنْعُه ويَحِقُّ عليه الدِّفاعُ عنه من أهل بيته والعرب تقول فلان يَسُوق الوَسِيقة ويَنْسِلُ الوَدِيقةَ ويَحْمي الحقيقة فالوَسيقةُ الطريدةُ من الإبل سميت وسيقة لأن طاردها يَسِقُها إذا ساقَها أي يَقْبِضها والوَديقةُ شدّة الحر والحقيقةُ ما يَحِقّ عليه أن يَحْمِيه وجمعها الحَقائقُ والحقيقةُ في اللغة ما أُقِرّ في الاستعمال على أصل وضْعِه والمَجازُ ما كان بضد ذلك وإنما يقع المجاز ويُعدَل إليه عن الحقيقة لمعانٍ ثلاثة وهي الإتِّساع والتوكيد والتشبيه فإن عُدِم هذه الأوصافُ كانت الحقيقة البتَّةَ وقيل الحقيقة الرّاية قال عامر بن الطفيل لقد عَلِمَتْ عَليْنا هَوازِنَ أَنَّني أَنا الفارِسُ الحامي حَقِيقةَ جَعْفَرِ وقيل الحقيقة الحُرْمة والحَقيقة الفِناء وحَقَّ الشئُ يَحِقُّ بالكسر حقّاً أي وجب وفي حديث حذيفة ما حَقَّ القولُ على بني إسرائيل حتى استغْنى الرِّجالُ بالرجالِ والنساءُ بالنساءِ أي وجَب ولَزِم وفي التنزيل ولكن حَقَّ القولُ مني وأحقَقْت الشئ أي أوجبته وتحقق عنده الخَبَرُ أي صحَّ وحقَّقَ قوله وظنَّه تحقيقاً أي صدَّقَ وكلامٌ مُحَقَّقٌ أي رَصِين قال الراجز دَعْ ذا وحَبِّرْ مَنْطِقاً مُحَقَّقا والحَقُّ صِدْق الحديثِ والحَقُّ اليَقين بعد الشكِّ وأحقِّ الرجالُ قال شيئاً أو ادَّعَى شيئاً فوجب له واستحقَّ الشيءَ استوجبه وفي التنزيل فإن عُثِرَ على أنَّهُمَا اسْتَحقّا إثْماً أي استوجباه بالخِيانةِ وقيل معناه فإن اطُّلِعَ على أنهما استوجبا إثماً أي خيانةً باليمين الكاذبة التي أقْدما عليها فآخرانِ يَقُومانِ مَقامها من ورثة المُتوفَّى الذين استُحِقَّ عليهم أي مُلِك عليهم حقٌ من حقوقهم بتلك اليمين الكاذبة وقيل معنى عليهم منهم وإذا اشتَرَى رجل داراً من رجل فادّعاها رجل آخر وأقامَ بيِّنةً عادلةً على دعواه وحكم له الحاكمُ ببينة فقد استحقها على المشتري الذي اشتراها أي مَلَكَها عليه وأخرجها الحاكم من يد المشتري إلى يد مَن استحقَّها ورجع المشتري على البائع بالثمن الذي أدَّاه إليه والاستِحْقاقُ والاسْتِيجابُ قريبان من السواء وأما قوله تعالى لَشَهادَتُنا أحَقُّ من شهادتهما فيجوز أن يكون معناه أشدُّ اسْتِحْقاقاً للقَبول ويكون إذ ذاك على طرح الزائد من اسْتَحقَّ أعني السين والتاء ويجوز أن يكون أراد أثْبَتُ من شهادتهما مشتق من قولهم حَقَّ الشيءُ إذا ثبت وفي حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما حقُّ امرئٍ أن يَبِيتَ ليلتين إلا ووَصِيَّتُه عنده قال الشافعي معناه ما الحَزْمُ لامرئٍ وما المعروف في الأخلاق الحسَنة لامرئٍ ولا الأحْوطُ إلا هذا لا أنه واجب ولا هو من جهة الفرض وقيل معناه أن الله حكم على عباده بوجوب الوصية مطلقاً ثم نَسخ الوصيّة للوارث فبقي حَقُّ الرجل في ماله أن يُوصي لغير الوارث وهو ما قدَّره الشارع بثلث ماله وحاقَّهُ في الأمر مُحَاقَّةً وحِقاقاً ادَّعَى أنه أولى بالحق منه وأكثر ما استعملوا هذا في قولهم حاقَّني أي أكثر ما يستعملونه في فعل الغائب وحاقَّهُ فحَقَّه يَحُقُّه غَلبه وذلك في الخصومة واستيجاب الحق وحاقَّهُ أي خاصَمه وادَّعَى كل واحد منهما الحق فإذا غلبه قيل حَقَّه والتَّحَاقُّ التخاصمُ والاحْتِقاقُ الاختصام ويقال احْتَقَّ فلان وفلان ولا يقال للواحد كما لا يقال اختصم للواحد دون الآخر وفي حديث علي كرم الله وجهه إذا بلغ النساءُ نَصَّ الحِقاقِ ورواه بعضهم نَصُّ الحَقائِقِ فالعَصَبة أوْلى قال أبو عبيدة نَصَّ كل شيء مُنتهاه ومَبْلَغ أقصاه والحِقاقُ المُحاقَّةُ وهو أن تُحاقَّ الأُمُّ العَصبَة في الجارية فتقول أنا أحَقُّ بها ويقولون بل نحن أحَقُّ وأراد بِنَصِّ الحِقاق الإدْراكَ لأن وقت الصغر ينتهي فتخرج الجارية من حد الصغر إلى الكبر يقول ما دامت الجاريةُ صغيرةً فأُمُّها أوْلى بها فإذا بَلَغَت فالعصبة أوْلى بأمرها من أُمها وبتزويجها وحَضانتها إذا كانو مَحْرَماً لها مثل الآباء والإخْوة والأعمام وقال ابن المبارك نَصُّ الحِقاق بلوغ العقل وهو مثل الإدراك لأنه إنما أراد منتهى الأمر الذي تجب به الحقوق والأحكام فهو العقل والإدراك وقيل المراد بلوغ المرأة إلى الحد الذي يجوز فيه تزويجها وتصَرُّفها في أمرها تشبيهاً بالحِقاقِ من الإبل جمع