كتاب لمحات في الثقافة الإسلامية

ما أبرم، ويرجع من حيث انطلق، إذا أتيح له أن ينجو من الانزلاق الخطير، ويسلم من الانهيار وسوء المصير..
إن المسلم بحاجة ماسة -إزاء هذه الظاهرة- إلى مزيد من دفقات النور، تقتبس -وضاءة ساطعة- من الينبوع الأصيل الزاخر الذي يبدد ظلمات قرون طويلة من الجاهلية التي صنعها مردة الشر وجنود الشيطان.. وأفاض بعدها على الإنسانية من أنوار هدايته الربانية دعوة خيرة، ومثلًا عاليةً، وحضارةً زاهرة، وأمدَّ الحياة بروح جديدة قوامها التوحيد ومبناها الإخلاص وشعارها عقيدة والتزام..؛ فالتأم الشمل المشتت، وتحرر العقل المقيد وتطهر الضمير الملوث، واكتشف الإنسان -بوحي من هذه الدعوة وهدىً من هذه الروح- جوهره النبيل، ومعدنه الأصيل، وفطرته الطيبة، وأدرك أن له في هذا الوجود مهمة عظيمة، ورسالة جليلة، عليه أن يدأب لتحقيقها، ويسعى بصبر وثبات لأدائها، ويعد نفسه إعدادًا ملائمًا للقيام بها. تلك هي "الخلافة في الأرض" إقامةً لحكم الله، وتطبيقًا لشريعته، لإرشاد من ضل وغوى، وإنقاذ من انحرف وهوى، وتحرير من استعبدته الأهواء، واستبد به طواغيت الأرض، فشوهوا فطرته، وأفسدوا عقيدته وأذلوا كرامته، وجعلوا منه مطيةً سهلةً لمطامعهم، وساقوه سوق السوائم إلى مذبح رغباتهم وشهواتهم.
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} 1.
وقال سبحانه: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} 2.
__________
1 الأنعام: "165"
2 يونس: "14"

الصفحة 18