كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

وكلام المصنف هذا يدل على أمرين: الأول أنه سيذكر المنازل المذكورة في الكتاب والسنة فقط. والثاني أنه يرتبها بحسب الترتيب الحسي. ومن ثم رجع إلى منزل اليقظة مرة أخرى، وقد عرّفها سابقًا، وهنا نقل كلام صاحب «المنازل» في تعريفها ودرجاتها ليفسرها ويعلق عليها.
- ثم انتقل إلى منزل الفكرة، وفعل مثل ما فعل في اليقظة. ورأى أن الهروي خبط في قوله في أنواع الفكرة: «إن الفكرة في عين التوحيد اقتحام بحر الجحود»، وقاده ذلك إلى الكلام على منزلة الفناء عند الهروي، فشرح أولًا كلامه وردّ على ما زعم التلمساني من أن مذهب الهروي وحدة الوجود بأنه كذبٌ عليه وإن كانت عبارته موهمة بل مفهمة. ثم أفاض القول في أقسام الفناء ومراتبه وممدوحه ومذمومه ومتوسطه وما يعرض للسالك على دربه من المعاطب والمهالك. واستغرق الكلام على الفناء وحده أكثر من ثلاثين صفحة. (الجدير بالذكر أن المصنف تكلم على منزل الفناء في موضعه من كتاب المنازل مرة أخرى دون إشارة إلى كلامه هنا).
- بعد هذا الاستطراد في الكلام على الفناء (١/ ٢٣٩) رجع إلى «منازل إياك نعبد وإياك نستعين»، وأشار إلى أنه قد سبق أن ذكر أربعة منها: اليقظة، والبصيرة، والفكرة، والعزم (البصيرة هنا مقدمة على الفكرة خلافا لما سبق، والعزم يشتمل على القصد)، وهي عنده كالبنيان لسائر المنازل، وعليها مدار منازل السفر إلى الله تعالى. وهي على الترتيب الحسي.
فإن قيل: لو أريد هذا المعنى لكان الأليق به أداة "إلى" التي هي للانتهاء، لا أداة "على" التي هي للوجوب. ألا ترى أنّه لمّا أراد الوصول قال: {(٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا} (¬١) [الغاشية: ٢٥ - ٢٦]، وقال: {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} [يونس: ٧٠]، {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ} [الأنعام: ١٠٨]؛ وقال لمّا أراد الوجوب: {(٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا} [الغاشية: ٢٦]، {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة: ١٧]، {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: ٦] ونظائر ذلك؟
قيل: في ذكر أداة "على" سرٌّ لطيفٌ، وهو الإشعار بكون السّالك على هذا الصِّراط على هدًى وحقٍّ مع وصوله إلى الله تعالى؛ فغايتُه الوصول إلى الله، وهو في حال استقامته على هدًى (¬٢) وعلى حقٍّ؛ كما قال في حقِّ المؤمنين: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة: ٥]. وقال لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} [النمل: ٧٩]. والله عزّ وجلّ هو الحقُّ، وسراطه (¬٣) حقٌّ، ودينه حقٌّ، فمن استقام على صراطه فهو على الحقِّ والهدى. وكان (¬٤) في دلالة أداة "على" على هذا المعنى ما ليس في أداة "إلى" (¬٥) فتأمّله، فإنّه سرٌّ بديعٌ.
---------------
(¬١) لم ترد الآية الثانية هنا في ع، وذلك أنسب. وفيها بعد الآية الأولى: "ثم قال".
(¬٢) العبارة: "وحقٍّ مع وصوله ... على هدًى" ساقطة من ع لانتقال النظر.
(¬٣) كذا في ق، ل بالسين هنا وبالصاد فيما يأتي. وفي غيرهما بالصاد في الموضعين.
(¬٤) كذا في جميع النسخ غير أن ل كان فيها "فكان" ــ فيما يظهر ــ ثم أصلح إلى "وكان"، والأول أشبه.
(¬٥) ش: "في دلالة إلى". وقد كتب بعضهم في هامش م: "دلالة" مع إشارة اللحق بعد "في". يعني: "في دلالة أداة (إلى) ".

الصفحة 24