كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

الاعتصام. هذا أمر. والأمر الآخر أن كثيرًا من المنازل التي تضمنها كتاب الهروي وشرَحَها ابنُ القيم ليست من «منازل العبودية الواردة في القرآن والسنة». زد على ذلك قوله السابق إنه سيذكر فيها «أمرًا مختصرًا جامعًا نافعًا». ويمكن أن يضاف إليها أمر رابع، وهو أن المصنف فصّل القول في مسألة الفناء ضمن شرحه لمنزل القصد، وكان من المناسب ــ لو صح عزمه على شرح كتاب الهروي ــ أن يختصر الكلام هنا، ويحيل للتفصيل على شرح منزل الفناء في آخر الكتاب. ولعله من أجل هذا كله سمى كتابه أولا: «مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين» كما تقدم شرحه.
فالظاهر أن ابن القيم عدل في أثناء التأليف عن قصده الأول، وعزم على شرح «منازل السائرين» بأكمله. وأما أنه لم يشِرْ البتة إلى أنه مقبل على شرح الكتاب المذكور، فلعل ذلك لعدم اتباعه المنهج المعروف في شرح المتون. والله أعلم.
* * *
فالمعنى صحيحٌ، لكن في كونه هو المراد بالآية نظرٌ، لأنّه حذفٌ في غير موضع الدِّلالة، ولم يؤلَف الحذف المذكور ليكون مدلولًا عليه إذا حُذِف، بخلاف حذف عامل الظّرف إذا وقع صفةً فإنّه حذفٌ مألوفٌ معروفٌ، حتّى إنّه لا يذكر البتّة. فإذا قلت: له درهمٌ عليّ، كان الحذف معروفًا مألوفًا. فلو أردت: عليَّ نقدُه، أو عليَّ وزنه وحفظه ونحو ذلك، وحذفتَ= لم يسُغْ. وهو نظير: عليَّ بيانُه المقدَّر في الآية، مع أنّ الذي قاله السّلف أليق بالسِّياق وأجلُّ المعنيين وأكبرهما.
وسمعت شيخ الإسلام تقيّ الدِّين ابن تيميّة - رضي الله عنه - يقول: وهما نظير قوله تبارك وتعالى: {(١١) إِنَّ عَلَيْنَا} [الليل: ١٢] قال: فهذه ثلاثة مواضع في القرآن في هذا المعنى.
قلت: وأكثر المفسِّرين لم يذكروا في سورة (واللّيل إذا يغشى) إلّا معنى الوجوب، أي علينا بيان الهدى من الضّلال. ومنهم من لم يذكر في سورة النّحل إلّا هذا المعنى كالبغويِّ، وذكَر في الحِجْر الأقوال الثّلاثة (¬١). وذكر الواحديُّ في "بسيطه" (¬٢) المعنيين في سورة النّحل. واختيار (¬٣) شيخنا قول مجاهدٍ والحسن في السُّور الثّلاث (¬٤).
---------------
(¬١) "تفسير البغوي" (٥/ ١١، ٤/ ٣٨٢).
(¬٢) (١٣/ ٢٤).
(¬٣) ش: "واختار".
(¬٤) انظر: "مجموع الفتاوى" (١٥/ ٢١٢) والمؤلف في هذا الفصل صادر عن كلام شيخه. وانظر: "شفاء العليل" (ص ٨٧)، و"التبيان" (ص ١٠٤ - ١٠٦)، و"بدائع الفوائد" (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩).

الصفحة 27