كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)
المؤلف بتفصيل درجات كل مقام، لتُعرف درجة العامة منه ثم درجة السالك ثم درجة المحقِّق. وقال: إن جميع هذه المقامات تجمعها رُتَبٌ ثلاث: أخذُ القاصد في السير، ودخوله في الغربة، وحصوله على المشاهدة الجاذبة إلى عين التوحيد. وقد اقتصر المؤلف فيه على كلامه دون كلام غيره من الصوفية، وعباراته في ذكر المقامات ودرجاتها موجزة محكمة، اختار فيها أسلوب المزاوجة والسجع والرمز والإشارة، فهي في حاجة إلى الشرح والبيان.
ولا شك أن مؤلِّفه إمام قدوة وحافظ كبير، دعا إلى اتباع السنة وردَّ على المتكلمين، وله في ذلك مؤلفات مثل «ذم الكلام وأهله» و «الفاروق في الصفات» و «الأربعين في التوحيد» وغيرها. وكان طودًا راسيًا في السنة لا يتزلزل ولا يلين، وقد امتُحِن مراتٍ وأوذِي ونُفي من بلده. وله من المناقب والفضائل والأخبار في هذا الباب ما هو مذكور في ترجمته. إلَّا أن كتابه «منازل السائرين» هذا قد انتقده بعض العلماء من أهل السنة، مثل الذهبي الذي يقول: «له نَفَسٌ عجيب لا يُشبِه نفَسَ أئمة السلف في كتابه منازل السائرين، ففيه أشياء مُطرِبة، وفيه أشياء مشكلة، ومن تأمله لاح له ما أشرتُ إليه. والسنة المحمدية صَلِفة، ولا ينهض الذوق والوجد إلا على تأسيس الكتاب والسنة» (¬١). ثم ذكر أن طائفة من صوفية الفلسفة والاتحاد يخضعون لكلامه في «منازل السائرين» وينتحلونه، ويزعمون أنه موافقهم. ويعقِّب عليه بقوله: «كلّا، بل هو رجل أثريّ، لهِجٌ بإثبات نصوص الصفات، منافِرٌ للكلام وأهله جدًّا. وفي منازله إشارات إلى المحو والفناء، وإنما مراده بذلك الفناءِ
_________
(¬١) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٥٠٩).
"عليك بطريق الحقِّ، ولا تستوحش لقلّة السّالكين. وإيّاك وطريقَ الباطل، ولا تغترَّ بكثرة الهالكين" (¬١). وكلّما استوحشتَ في تفرُّدك فانظر إلى الرّفيق السّابق، واحرص على اللَّحاق بهم، وغُضَّ الطَّرفَ عمَّن سواهم فإنّهم لن يُغْنُوا عنك من الله شيئًا. وإذا صاحوا بك في طريق سيرك فلا تلتفت إليهم، فإنّك متى التفتَّ إليهم أخذوك أو عاقوك.
وقد ضُربت لذلك مثلان (¬٢)،
فليكونا (¬٣) منك على بالٍ:
المثال (¬٤) الأوّل: رجلٌ خرج من بيته إلى الصّلاة، لا يريد غيرها، فعرَض له في طريقه شيطانٌ من شياطين الإنس، فألقى عليه كلامًا يؤذيه. فوقف, وردَّ عليه، وتماسكا. فربّما كان شيطان الإنس أقوى منه، فقهَره، ومنعَه عن الوصول إلى المسجد حتّى فاتت الصّلاة. وربّما كان أقوى من شيطان الإنس، ولكن اشتغل بمهاوشته عن الصّفِّ الأوّل وكمال إدراك الجماعة. فإن التفت إليه أطمَعَه في
---------------
(¬١) روي نحوه عن الفضيل بن عياض. انظر: "تبيين كذب المفتري" (ص ٣٣١)، و"الأذكار" للنووي (ص ١٦٠).
(¬٢) "ضُربت" غُيِّر في م إلى "ضُرِب". وبعده: "لك" في ج. وكذا كان في ق، ثم أصلح. وفي طبعة الفقي: "وقد ضربتُ لذلك مثلين". ولما اتفقت النسخ على "مثلان" بالرفع اخترت قراءة "ضُربت" مع تذكير لفظ المثل، ولعله سبق قلم من المؤلف. وقد تسامح في ذلك في نونيته أيضًا إذ قال (٢٤٦٣):
والأمرُ والنهيُ المطاعُ لغيره ... ولمحصرٍ ضُرِبَتْ بذا مثلانِ
وقال أيضًا (٢٤٣١):
وكذاك أصحابُ الحديث فإنهم ... ضُرِبَتْ لهم ولكم بذا مثلانِ
(¬٣) ج: "ليكونا"، ويبدو أنه كذا كان في ق ثم زيدت الفاء. وفي ش، م: "يكونان".
(¬٤) غيِّر في ش إلى "المثل".