كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

هو الغَيبة عن شهود السِّوى، ولم يُرِد محْوَ السِّوى في الخارج». وبعد هذا الدفاع يختم كلامه بقوله: «ويا ليتَه لا صنَّف ذلك، فما أحلى تصوفَ الصحابة والتابعين! ما خاضوا في هذه الخطرات والوساوس، بل عبدوا الله وذَلُّوا له وتوكَّلُوا عليه، وهم من خشيته مشفقون، ولأعدائه مجاهدون، وفي الطاعة مسارعون، وعن اللغو معرضون، والله يهدي من يشاء إلى صِراط مستقيم» (¬١).
ومما انتُقِد عليه شرحه للتوحيد في آخر الكتاب، والأبيات الثلاثة التي ختم بها كتابه وهي من نظمه (¬٢):
ما وحَّد الواحدَ من واحدٍ ... إذْ كلُّ مَن وحَّده جاحِدُ
توحيدُ مَن ينطق عن نعتِه ... عاريةٌ أبطَلها الواحدُ
توحيدُه إيَّاه توحيدُه ... ونعْتُ من ينعتُه لاحِدُ

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد ذكر في كتابه «منازل السائرين» أشياء حسنة نافعة وأشياء باطلة، ولكن هو فيه ينتهي إلى الفناء في توحيد الربوبية، ثم إلى التوحيد الذي هو حقيقة الاتحاد». ثم نقل كلام الهروي في باب التوحيد، وانتقده بتفصيل (¬٣).
وذكر في موضع آخر أنه ليس في كلامه شيء من الحلول العام، لكن في
_________
(¬١) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٥١٠).
(¬٢) «منازل السائرين» (ص ١١٣).
(¬٣) «منهاج السنة» (٥/ ٣٤١ - ٣٨٨). وانظر «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٢٦، ٢٣٠، ٨/ ٣١٣، ٣١٧، ١٤/ ١١).
نفسه، وربّما فترت عزيمته. فإن كان له معرفةٌ وعلمٌ زاد في السَّعي والجَمْز بقدر التفاته أو أكثر. فإن أعرض عنه واشتغل بما هو بصدده، وخاف فوت الصّلاة أو الوقت= لم يبلغ عدوُّه منه شيئًا (¬١).
المثل (¬٢) الثّاني: الظَّبيُ أشدُّ سعيًا من الكلب، ولكنّه إذا أحسَّ به التفت إليه فضعُفَ سعيه، فيدركه الكلب، فيأخذه.
والقصد: أنّ في ذكر هذا الرّفيق ما يزيل وحشة التّفرُّد، ويحثُّ على السّير والتّشمير للَّحاق بهم. وهذا (¬٣) أحد الفوائد في دعاء القنوت: "اللهمَّ اهدني فيمن هديت". أي أدخلني في هذه الزُّمرة، واجعلني رفيقًا لهم ومعهم.
والفائدة الثّانية: أنّه توسُّلٌ إلى الله بنعمه وإحسانه إلى مَن أنعم عليه بالهداية. أي قد أنعمتَ بالهداية على مَن هديتَ، وكان ذلك نعمةً منك، فاجعل لي نصيبًا من هذه النِّعمة، واجعلني واحدًا من هؤلاء المنعَم عليهم. فهو توسُّلٌ إلى الله بإحسانه.
والفائدة الثّالثة: كما يقول السّائل للكريم: تصدَّق عليَّ في جملة من تصدَّقتَ عليه، وعلِّمني مِن جملة (¬٤) من علَّمتَه، وأحسِنْ إليَّ في جملة من شمَلتَه بإحسانك (¬٥).
---------------
(¬١) سيأتي هذا المثل بنحوه في منزلة المكاشفة (٣/ ٢١٤).
(¬٢) ج: "المثال".
(¬٣) م: "فهذا". وبعده: "أحد الفوائد" كذا في جميع النسخ.
(¬٤) كذا في جميع النسخ هنا بدلًا من "في جملة".
(¬٥) وانظر الفوائد الثلاث التي ذكرها المؤلف في "شفاء العليل" (ص ١١١).

الصفحة 34