كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

كلامه شيء من الحلول الخاص في حق العبد العارف الواصل إلى ما سماه هو مقام «التوحيد»، وقد باح منه بما لم يبح به أبو طالب المكي، لكن كنى عنه (¬١).
وانتقد قول الهروي (ص ١١): «إن مشاهدةَ العبد الحكمَ لم تدع له استحسانَ حسنة ولا استقباح سيئة» في مواضع من كتبه (¬٢)، وبيَّن أن قوله في باب الأفعال والقَدَر يوافق الجهم وأتباعه من غلاة الجبرية، فهو يلحظ الجبر وإثبات القدر شاهدًا لتوحيد الربوبية معرضًا عن الأمر والنهي، ويجعل هذا غاية.
أما المنهج العام للكتاب وهو تقسيم كل مقام إلى ثلاث درجات فقد انتقده شيخ الإسلام وقال: إنه يذكر في كلّ بابٍ ثلاث درجات، فالأولى وهي أهونها عندهم توافق الشرع في الظاهر، والثانية قد توافق الشرع وقد لا توافق، والثالثة في الأغلب تخالف، لاسيما في «التوحيد» و «الفناء» و «الرجاء» ونحو ذلك (¬٣).
وبعد ما ذكر الذهبي أن «منازل السائرين» كتاب نفيس في التصوف، وأنه رأى الاتحادية تعظِّم هذا الكتاب وتنتحله، وتزعم أنه على تصوفهم الفلسفي، قال: «وقد كان شيخنا ابن تيمية بعد تعظيمه لشيخ الإسلام يحطّ
_________
(¬١) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٤٨٥).
(¬٢) «مجموع الفتاوى» (٨/ ٣٣٩، ٣٤٦، ٣٦٩)، «الرد على الشاذلي» (ص ١٢٣، ١٥٣)، «جامع المسائل» (٢/ ١١٠).
(¬٣) «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٢٢٩).
فصل
ولمّا كان سؤالُ الهداية إلى الصِّراط المستقيم أجلَّ المطالب، ونيلُه أشرفَ المواهب: علَّم اللهُ عبادَه كيفيّة سؤاله، وأمرَهم أن يقدِّموا (¬١) بين يديه حمده والثّناء عليه وتمجيده، ثمّ ذكر عبوديّتهم وتوحيدهم. فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم: توسُّلٌ إليه بأسمائه وصفاته، وتوسُّلٌ إليه بعبوديّته؛ وهاتان الوسيلتان لا يكاد يُرَدُّ معهما الدُّعاء. وهما الوسيلتان المذكورتان في حديثي الاسم الأعظم اللّذين رواهما ابن حبّان في "صحيحه"، والإمام أحمد والتِّرمذيُّ - رضي الله عنهم -.
أحدهما: حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه - رضي الله عنهما - قال: سمع النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - رجلًا يدعو، وهو يقول: اللهمّ إنِّي أسألك بأنِّي أشهد أنّك أنت الله الذي لا إله إلّا أنت، الأحد الصّمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحدٌ. فقال: "والّذي نفسي بيده، لقد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى" (¬٢). قال التِّرمذيُّ: حديثٌ صحيحٌ (¬٣).
فهذا توسُّلٌ إلى الله بتوحيده، وشهادةِ الدّاعي له بالوحدانيّة، وثبوتِ
---------------
(¬١) ق: "يتقدموا".
(¬٢) أخرجه أحمد (٢٢٩٥٢، ٢٣٠٤١) وأبو داود (١٤٩٣، ١٤٩٤) والترمذي (٣٤٧٥) والنسائي في "الكبرى" (٧٦١٩) وابن ماجه (٣٨٥٧) وغيرهم. والحديث صححه ابن حبان (٨٩٢) والحاكم (١/ ٥٠٤) والألباني في "أصل صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - " (٣/ ١٠١٦) و"صحيح أبي داود- الأم" (٥/ ٢٢٩).
(¬٣) في النسخ المطبوعة من "الجامع": "حديث حسن غريب"، وكذلك في "تحفة الأشراف" (٢/ ٩٠).

الصفحة 35