كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

مقارنة الكتاب بأهم شروح «المنازل»
لقي كتاب منازل السائرين قبولًا كبيرًا في حلقات الصوفية، فأقبلوا على دراسته وشرحه والتعليق عليه ونظمه واختصاره، وقد أربى عدد شروحه على ثمانية وعشرين شرحًا كما سبق، وقد وقفنا على ثمانية شروح منها، ولكن كان رجوعنا إلى شرح التلمساني أكثر من غيره لاعتماد المؤلف عليه في نقل المتن، واستفادته منه في الشرح أيضًا مع نقد انحرافاته.
وقد تقدم أن كتابنا هذا ليس شرحًا كالشروح، فلم يلتفت المؤلف فيه إلى كتاب «المنازل» إلا بعد نحو ١٧٠ صفحة من الكتاب حينما عقد فصلًا في «منازل (إياك نعبد) التي ينتقل فيها القلب منزلةً منزلةً في حال سيره إلى الله تعالى»، وأراد أن يذكر فيه «أمرًا مختصرًا جامعًا نافعًا»، واستهلَّ الحديث عن أول منازل العبودية: اليقظة، ثم أشار (١/ ١٧٣) إلى الفكرة والبصيرة والقصد والعزم على أنها منازل مرتبة، تفضي كل منزلة منها إلى ما بعدها، ثم بعد شيء من الاستطراد انتقل إلى منزلة المحاسبة التي يُشرف منها العبد على منزلة التوبة، فشرَح كلام الهروي على المنزلتين، وأفاض القول في منزلة التوبة إفاضة زادت على ٣٨٠ صفحة! ثم تكلم على منزلة الإنابة ثم التذكّر، ومن هنا شرح المنازل إلى آخر كتاب الهروي على ترتيبه. ويلاحظ على هذا:
أولًا: أن ابن القيم أغفل مقدمة كتاب الهروي، فلم يشرحها البتة.
وثانيا: خالفه في ترتيب المنازل المذكورة. ولبيان الخلاف بين الترتيبين نضع لك بين قوسين رقم كل منها عند الهروي: اليقظة (١)، الفكرة (٥)،
والكفرَ به إنكارٌ للصّانع وجحدٌ له؛ وإنّما توحيده إثبات صفات كماله، وتنزيهه عن الشَّبَه (¬١) والنّقائص. فجعل المعطِّلةُ جحدَ الصِّفات وتعطيلَ الصّانع عنها توحيدًا، وجعلوا إثباتها لله تعالى تشبيهًا وتجسيمًا وتركيبًا. فسمَّوا الباطل باسم الحقِّ ترغيبًا فيه وزخرفًا ينفِّقونه (¬٢) به، وسمّوا الحقَّ باسم الباطل تنفيرًا عنه. والنّاس أكثرهم مع ظاهر السِّكَّة (¬٣)، ليس لهم نقد النُّقّاد (¬٤) و {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} (¬٥) [الكهف: ١٧].
والمحمود لا يُحمَد على العدم والسُّلوب (¬٦) البتّة، إلّا إذا كانت سلب عيوبٍ ونقائص، تتضمّن إثبات أضدادها من الكمالات الثبوتيّة؛ وإلّا فالسَّلب المحض لا حمد فيه ولا مدح ولا كمال. ولذلك حَمِد نفسَه (¬٧) على عدم اتِّخاذ الولد المتضمِّن لكمال صمديّته وغناه وملكه وتعبُّدِ كلِّ شيءٍ له، فاتِّخاذُ الولد ينافي ذلك، كما قال تعالى: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [يونس: ٦٨]. وحمِد نفسَه على عدم الشّريك، المتضمِّن تفرُّدَه بالرُّبوبيّة والإلهيّة، وتوحُّدَه بصفات
---------------
(¬١) ج، م: "الشبيه".
(¬٢) م، ش: "ينفقوه"، وكذا كان في ق ثم غُيِّر.
(¬٣) يعني: الدراهم والدنانير المضروبة. وقد تقدَّم تفسير "السِّكة" (ص ٧).
(¬٤) ج: "الناقد".
(¬٥) "المهتدي" هكذا في جميع النسخ ما عدا ع على قراءة أبي عمرو ونافع.
(¬٦) ج، ع: "السكوت"، تصحيف.
(¬٧) هكذا في ج. وكذا كان في ق فغيِّر إلى "وكذلك حمده لنفسه" كما في م، ش، ع.

الصفحة 41