كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

البصيرة (٥٤)، القصد، العزم (٤١، ٤٢)، المحاسبة (٣)، التوبة (٢)، الإنابة (٤)، التذكر (٦)، ومن هنا شرح المنازل إلى آخر كتاب الهروي على ترتيبه.
وثالثًا: حجم الكلام على المنازل، فشرحُ منزلة التوبة وحدها أصبح كما رأيت في حجم كتاب مستقل. ثم منهج المؤلف في الكلام على المنازل استنادًا إلى الكتاب والسنة، والتنبيه على مزالق الصوفية وغيرهم، والغوص على دقائق الأمور والإبانة عنها مع التفصيل والاستطراد إلى مسائل أخرى مهمة. فهل ترى شرحًا من شروح «منازل السائرين» يمكن أن يضارِعَه أو يقاربَه في ذلك حتى يمكن مقارنته به!
الحقيقة أنه لا وجه للمقارنة بين كتابنا والشروح الأخرى، حتى في المنازل التي لم يتوسع المؤلف في الكلام عليها. ونختار هنا منزلة واحدة لنستعرض نماذج منها ونقارن تفسيرها بما ورد في الشروح الأربعة الآتية:
١ - شرح عبد المعطي اللخمي الإسكندري المتوفى بعد سنة ٦٣٨.
٢ - شرح عفيف الدين التلمساني (ت ٦٩٠).
٣ - شرح عبد الرزاق القاساني (أو الكاشاني) المتوفى سنة ٧٣٠.
٤ - شرح محمود بن حسن الفركاوي القادري (آخر القرن الثامن).
وأردنا أن نضمَّ إليها شرحًا خامسًا، وهو شرح زين الدين المناوي (ت ١٠٣١)، ولكنه مختصر من شرح التلمساني، فصرفنا النظر عنه. والقاساني أيضًا اعتمد على شرح التلمساني ولكنه ليس تلخيصًا. أما الفركاوي فقد صرح بأنه لم يستفد في شرحه من كتاب، وإنما كان شرحه فتوحًا، والإيجاز والإطناب حسب الوقت والطاقة! وقلما نجد في الشروح
الكمال التي لا يوصف بها غيره فيكون شريكًا له؛ فلو عدمها لكان كلُّ موجودٍ أكمل منه، لأنّ الموجود أكمل من المعدوم.
ولهذا لا يحمد نفسَه بعدمٍ إلّا إذا كان متضمِّنًا ثبوتًا، كما حمِد نفسَه بكونه لا يموت لتضمُّنه كمالَ حياته، وحمِد نفسَه بأنه لا تأخذه سنةٌ ولا نومٌ لتضمُّن ذلك كمالَ قيُّوميّته، وحمِد نفسَه بأنّه لا يعزُب عن علمه مثقال ذرّةٍ في الأرض ولا في السّماء (¬١) لكمال علمه وإحاطته، وحمِد نفسَه بأنّه لا يظلم أحدًا لكمال عدله وإحسانه، وحمِد نفسَه بأنّه لا تدركه الأبصار لكمال عظمته، يُرى ولا يُدرَك، كما أنّه يُعلَم ولا يُحاط به علمًا؛ وإلا فمجرَّدُ نفي الرُّؤية ليس بكمالٍ لأنّ العدم لا يُرى، فليس في كون الشّيء لا يُرى كمالٌ البتّة. وإنّما الكمال في كونه لا يحاط به رؤيةً ولا إدراكًا، لعظمته في نفسه وتعاليه عن إدراك المخلوق له. وكذلك حمِد نفسَه بعدم الغفلة والنِّسيان لكمال علمه. فكلُّ سلبٍ في القرآن حمِد به نفسَه فلمضادّته لثبوت ضدِّه، ولتضمُّنه كمالَ ثبوت ضدِّه (¬٢).
فعلمتَ أنّ حقيقةَ الحمد تابعةٌ لثبوت أوصاف الكمال، وأنّ نفيها نفيٌ لحمده، ونفي الحمد مستلزمٌ لثبوت ضدِّه.
فصل
فهذا دلالة الحمد على توحيد الأسماء والصِّفات.
---------------
(¬١) في ع بعده زيادة: "ولا أصغر من ذلك ولا أكبر".
(¬٢) كذا في النسخ، والأولى: "ولتضمنه ثبوت كمال ضدِّه" كما نُبِّه في حاشية المطبوع. وانظر: "بدائع الفوائد" (١/ ٢٨٤).

الصفحة 42