كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)
يعني حصل له كل ما أمكن له حتى يكون رمحا بالحقيقة».
كلام القاساني مبني كما ترى على شرح التلمساني، غير أنه ربط بين المعنيين.
أما ابن القيم فلم ينقل هنا الآية التي افتتح الهروي بها هذه المنزلة لأنه قد سبق أن استشهد بها في كلامه المستقل على الصدق، بل تكلم على تعريفه للصدق فقال: «الصِّدق هو حصول الشيء وتمامه، وكمال قوَّته واجتماع أجزائه، كما يقال: عزيمةٌ صادقةٌ، إذا كانت قويَّةً تامَّةً، وكذلك: محبَّةٌ صادقةٌ، وإرادةٌ صادقةٌ. وكذلك قولهم: حلاوة صادقة، إذا كانت قويَّةً تامَّةً ثابتة الحقيقة، لم ينقص منها شيء. ومن هذا أيضًا: صدقُ الخبر، لأنَّه وجود المخبَر بتمام حقيقته في ذهن السامع. فالتمام والوجود نوعان: خارجيٌّ وذهنيٌّ، فإذا أخبرت المخاطَب بخبرٍ صادقٍ حصلت له حقيقة المخبَر بكماله وتمامه في ذهنه. ومن هذا: وصفهم الرُّمح بأنّه صَدْق الكعوبِ إذا كانت كعوبه صلبةً قويَّةً ممتلئةً».
هذا الكلام أيضا ناظرٌ إلى شرح التلمساني، ولكن ابن القيم ربط بين المعنيين اللذين ذكرهما التلمساني، واشتقّ المعنى الثاني من المعنى الأول، على العكس مما فعله القاساني. ويلاحظ أن ابن القيم لم يعلّق تعليقًا مباشرًا على كلام الهروي.
(٢) ثم ذكر الهروي ثلاث درجات لمنزلة الصدق، فقال: (الدرجة الأولى: صدق القصد، وبه يصح الدخول في هذا الشأن، ويتلافى به كلُّ تفريطٍ، ويتدارك كلُّ فائتٍ، ويعمر كلُّ خرابٍ. وعلامة هذا الصادق: أن لا يحتمل داعيةً تدعو إلى نقض عهدٍ، ولا يصبر على صحبة ضدٍّ، ولا يقعد عن الجدِّ بحال).
الثّاني: تسمية الأوثان بها، كما كانوا يسمُّونها آلهةً. قال ابن عبّاسٍ ومجاهد - رضي الله عنهما -: عدلوا بأسماء الله تعالى عمّا هي عليه، فسمَّوا بها أوثانهم، فزادوا ونقصوا. فاشتقُّوا اللّات من الله، والعزَّى من العزيز، ومناة من المنّان (¬١). وروي عن ابن عبّاسٍ: {يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} [الأعراف: ١٨٠]: يكذبون عليه (¬٢). وهذا تفسير المعنى (¬٣).
وحقيقة الإلحاد فيها: العدولُ بها عن الصّواب فيها. وإدخالُ ما ليس من معانيها فيها وإخراجُ حقائق معانيها عنها= هذا قصدُ (¬٤) الإلحاد. ومن فعل ذلك فقد كذب على الله تعالى، ففسَّر ابن عبّاسٍ - رضي الله عنهما - الإلحادَ بالكذب، إذ هو غاية الملحد في أسمائه، فإنّه إذا أدخل في معانيها ما ليس منها، وأخرج عنها حقائقَها أو بعضَها، فقد عدل بها عن الصّواب والحقِّ، وهو حقيقة الإلحاد.
فالإلحاد إمّا بجحدها وإنكارها، وإمّا بجحد معانيها وتعطيلها، وإمّا بتحريفها عن الصّواب وإخراجِها عن الحقِّ بالتّأويلات الباطلة، وإمّا بجعلها أسماءً لهذه المخلوقات المصنوعات، كإلحاد أهل الاتِّحاد فإنّهم جعلوها أسماء هذا الكون: محمودِها ومذمومِها، حتّى قال زعيمهم: وهو المسمّى
---------------
(¬١) "التفسير البسيط" (٩/ ٤٨٢)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٠٧).
(¬٢) راجع المصدرين المذكورين. وفيهما: "يكذِّبون". وقد رواه الطبري (١٠/ ٥٩٧) عن ابن عباس بلفظ: "الإلحاد: التكذيب".
(¬٣) ش: "بالمعنى".
(¬٤) ع: "حقيقة".