كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

شرح الإسكندري هذه الدرجة كاملة في نحو خمسة أسطر، فقال: «وأول عامل من المريد قلبه، ويتمّ عمله بصحة قصده وقوة عزمه. ومتى قوي عزمه لم يقبل خواطر الكسل والفتور ... ». فلم ير الإسكندري حاجة إلى شرح (صدق القصد) في كلام الهروي.
وشرحها التلمساني فقال: «يعني بصحة القصد أن يكون في القلب داعية إلى السلوك، وميل شديد يقهر السّرَّ على صحة التوجه. وبالجملة فالقصد هو النية والطلب الذي لا يمازجه رياء بوجه من الوجوه».
وقال القاساني: «القصد هو النية، وصدقها هو أن يتوجه القلب إلى المقصود بداعية جاذبة إلى السلوك، وميل قوي يقهر السرَّ إلى الانجذاب إليه، ويردعه عن الالتفات إلى ما سواه من غير غرض ورياء وشوب من شيء آخر بوجه من الوجوه».
أغفل الفركاوي شرح الدرجة الأولى بكاملها.
وقال ابن القيم: «يعني بـ (صدق القصد) كمال العزم، وقوَّة الإرادة، بأن يكون في القلب داعية صادقة إلى السُّلوك، وميلٌ شديدٌ يقهر السرَّ على صحَّة التوجُّه. فهو طلبٌ لا يمازجه رياءٌ ولا فتور، ولا يكون فيه قسمةٌ بحالٍ».
القاساني وابن القيم كلاهما صادران - كما ترى -عن شرح التلمساني، غير أن لفظ ابن القيم هنا أقرب إلى مصدره.
(٣) الدرجة الثانية من المنزلة: (أن لا يتمنَّى الحياة إلا للحقِّ، ولا يشهد من نفسه إلا أثر النُّقصان، ولا يلتفت إلى ترفيه الرُّخص). ويهمنا هنا شرح الجملة الأخيرة.
بعليٍّ بكلِّ اسمٍ (¬١) ممدوحٍ عقلًا وشرعًا وعرفًا، وبكلِّ اسمٍ مذمومٍ عقلًا وشرعًا وعرفًا. تعالى الله عمّا يقول الملحدون علوًّا كبيرًا (¬٢).
فصل
الأصل الثّاني: أنّ الاسم من أسمائه تبارك وتعالى كما يدلُّ على الذّات والصِّفة التي اشتقّ منها بالمطابقة، فإنّه يدلُّ دلالتان أخريان (¬٣) بالتّضمُّن واللُّزوم. فيدلُّ على الصِّفة بمفردها بالتّضمُّن وكذلك على الذّات المجرَّدة عن الصِّفة، ويدلُّ على الصِّفة الأخرى باللُّزوم. فإنّ اسم "السّميع" يدلُّ على ذات الرّبِّ وسمعه بالمطابقة، وعلى الذّات وحدها والسّمع وحده بالتّضمُّن، ويدلُّ على اسم "الحيِّ" وصفة الحياة بالالتزام. وكذلك سائر أسمائه وصفاته، ولكن تتفاوت النّاس في معرفة اللُّزوم وعدمه. ومن هاهنا يقع اختلافهم في كثيرٍ من الأسماء والصِّفات والأحكام، فإنَّ مَن علم أنّ الفعل الاختياريّ لازمٌ للحياة، وأنّ السّمع والبصر لازمٌ للحياة الكاملة، وأنّ سائر
---------------
(¬١) م، ش: "المسمَّى بمعنى كل اسم". وفي ج، ع: "المسمى بكل اسم". وقد استدرك "بكل" في الأصل في الهامش. والمصنف يشير إلى قول ابن عربي في "الفصوص" (ص ٧٩): "فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية ... وسواء كانت محمودة عرفًا وعقلًا وشرعًا أو مذمومة عرفًا وعقلًا وشرعًا". وقد ذكر هذه العبارة شيخ الإسلام في "بغية المرتاد" (ص ٤٠٦ - ٤٠٧، ٥٢٤).
(¬٢) وانظر في أنواع الإلحاد في أسماء الله سبحانه: "بدائع الفوائد" (١/ ٢٩٧ - ٢٩٩).
(¬٣) كذا بالرفع في الأصل المقروء على المؤلف (ق) وغيره! وقد غيَّره بعض القراء في ش إلى "دلالتين أخريين".

الصفحة 47