كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)
الإسكندري: «ولا يقبل من نفسه خواطر الترفيه بالرخص، لما هو فيه من كمال الجد والتشمير في طلب الطاعات، لا أنه يترك ما طلبه الشرع من الفطر والقصر في السفر لطفًا بالعباد. بل يجري على مقتضى صدقه في سلوكه مع ربه من غير فتور ولا تقصير على وجه السداد».
التلمساني: «يعني أنه لم يبق فيه داعية لحظٍّ من حظوظ النفس، فهو لا يرى أن يرفّه نفسه عن الخدمة، فلا جرم هو لا يأخذ بالرخص».
القاساني: «(ولا يلتفت إلى ترفيه الرخص) لأنه لم يبق لنفسه حظ ولا داعية تدعوه إلى ترفيهٍ لها، فلا يرفِّه نفسه عن الخدمة والجد لالتذاذه ببذل الجهد في الطاعة وحفظ العزيمة، فلا يأخذ بالرخص».
الفركاوي: «لا يقبل من نفسه خواطر الرخص (كذا، لعل الصواب: الترخُّص أو الترفيه) بالرخص».
ابن القيم: «وأمَّا قوله: (ولا يلتفت إلى ترفيه الرُّخص)، فلأنَّه لكمال صدقه، وقوَّة إرادته، وطلبه للتقدُّم، يحمل نفسه على العزائم، ولا يلتفت إلى الرفاهية التي في الرُّخص. وهذا لا بدَّ فيه من التفصيل، فإنَّ الصادق يعمل على رضا الحقِّ تعالى ومحابِّه، فإذا كانت الرُّخص أحبَّ إليه من العزائم كان التفاته إلى ترفُّهها، هو عين صدقه. فإذا أفطر في السفر، وقصر وجمع بين الصلاتين عند الحاجة إليه، وخفَّف الصلاة عند الشُّغل، ونحو ذلك من الرُّخص التي يحبُّ الله تعالى أن يؤخذ بها= فهذه: الالتفاتُ إلى ترفيهها لا ينافي الصِّدق. بل هاهنا نكتة، وهي أنَّه فرقٌ بين أن يكون التفاته إليها ترفُّهًا وراحةً، وأن يكون متابعةً وموافقةً، ومع هذا فالالتفات إليها ترفُّهًا وراحةً لا ينافي الصِّدق، فإنَّ هذا هو المقصود منها. وفيه شهود نعمة الله على العبد،
الكمال (¬١) من لوازم الحياة الكاملة= أثبت من أسماء الرّبِّ وصفاته وأفعاله ما ينكره من لم يعرف لزوم ذلك، ولا عرف حقيقة الحياة ولوازمها.
وكذلك سائر صفاته. فإنّ اسم "العظيم" له لوازم ينكرها من لم يعرف عظمة الله تعالى ولوازمها. وكذلك اسم "العليِّ"، واسم "الحكيم" وسائر أسمائه. فإنّ من لوازم اسم "العليِّ" العلوّ المطلق بكلِّ اعتبارٍ، فله العلوُّ المطلق من جميع الوجوه: علوُّ القدر، وعلوُّ القهر، وعلوُّ الذّات. فمن جحد علوَّ الذّات فقد جحد لوازم اسمه "العليِّ".
وكذلك اسمه "الظّاهر"، من لوازمه أن لا يكون فوقه شيءٌ، كما في الصّحيح عن النّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "وأنت الظّاهر فليس فوقك شيءٌ" (¬٢). بل هو سبحانه فوق كلِّ شيءٍ، فمن جحد فوقيّته سبحانه فقد جحد لوازم اسمه "الظّاهر". ولا يصحُّ أن يكون "الظّاهر" هو من له فوقيّة القدر، كما يقال: الذّهب فوق الفضّة، والجوهر فوق الزُّجاج; لأنّ هذه الفوقيّة لا تتعلّق بالظُّهور، بل قد يكون المفُوق أظهر (¬٣) من الفائق فيها. ولا يصحُّ أن يكون ظهور القهر والغلبة فقط ــ وإن كان سبحانه ظاهرًا بالقهر والغلبة ــ لمقابلة الاسم بـ"الباطن"، وهو الذي ليس دونه شيءٌ؛ كما قابل "الأوّل" الذي ليس قبله شيءٌ بـ"الآخر" الذي ليس بعده شيءٌ.
---------------
(¬١) كذا في الأصل وغيره، والمقصود: "سائر صفات الكمال" كما قال في المرتبة الثامنة من مراتب الحياة (٤/ ١٧٦): "وهي الحياة التي كمالها يستلزم كمال السمع والبصر ... وسائر صفات الكمال".
(¬٢) أخرجه مسلم (٢٧١٣) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(¬٣) ش: "أفضل".