كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

وتعبُّدٌ باسمه البَرِّ اللطيفِ المحسنِ الرفيقِ، فإنَّه رفيقٌ يحبُّ الرِّفق، وفي «الصحيح»: «ما خيِّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلَّا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا»؛ لِما فيه من روح التعبُّد باسم الرفيق اللطيف، وإجمام القلب به لعبوديَّةٍ أخرى، فإنَّ القلب لا يزال يتنقَّل في منازل العبوديَّة، فإذا أخذ بترفيه رخصةِ محبوبه استعدَّ بها لعبوديَّةٍ أخرى. وقد تقطعه عزيمتُها عن عبوديَّةٍ هي أحبُّ إلى الله منها، كالصائم في السفر الذي ينقطع عن خدمة أصحابه، والمفطر الذي يضرب الأبنية، ويسقي الرِّكاب، ويضمُّ المتاع؛ ولهذا قال فيهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر». وأمَّا الرُّخص التأويليَّة المستندةُ إلى اختلاف المذاهب والآراء التي تصيب وتخطئ، فالأخذ بها عندهم عين البطالة ومنافٍ للصِّدق».
قلنا: أما الفركاوي فلم يفعل شيئًا، قابل جملة الهروي بجملة أخذها من كلام الإسكندري. وكان الإسكندري موفقًا إذ فطن لما قد يذهب على السالك في فهم كلام الهروي، فنبَّه على أن لا يمتنع من الرخص التي شرعت لطفًا بالعباد كالفطر والقصر في السفر. وقد خلا كلام التلمساني - وتابعه القاساني- من هذا التنبيه. أما ابن القيم فقد فصَّل ما أوجزه الإسكندري، وذكر أن الرخص المشروعة لا تنافي الصدق أبدًا، وبيَّن ما فيها من الحكم والفوائد للسالك مستدلًّا بكلام النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولم ينس أن يشير إلى أن الرخص الراجعة إلى اختلاف المذاهب الفقهية أمرُها مختلفٌ، والأخذ بها منافٍ للصدق.
(٤) الدرجة الثالثة من مدارج منزلة الصدق عند الهروي: (الصِّدق في معرفة الصِّدق. فإنّ الصِّدق لا يستقيم في علم أهل الخصوص إلَّا على حرفٍ
وكذلك اسمه (¬١) "الحكيم" من لوازمه: ثبوتُ الغايات المحمودة المقصودة له بأفعاله، ووضعُه الأشياء في موضعها، وإيقاعُها على أحسن الوجوه. فإنكارُ ذلك إنكارٌ لهذا الاسم ولوازمه.
وكذلك سائر أسمائه الحسنى.
فصل
إذا تقرَّر هذان الأصلان، فاسم "الله" دالٌّ على جميع الأسماء الحسنى والصِّفات العُلى بالدِّلالات الثّلاث. فإنّه دالٌّ على الإلهيَّة المتضمِّنة لثبوت صفات الإلهيّة له مع نفي أضدادها عنه. وصفات الإلهيّة هي صفات الكمال المنزَّهة عن التّشبيه والمثال وعن العيوب والنّقائص، ولهذا يضيف تعالى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم المعظَّم، كقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الأعراف: ١٨٠]. ويقال: الرّحمن، والرّحيم، والقدُّوس، والسّلام، والعزيز، والحكيم= من أسماء الله. ولا يقال: الله (¬٢) من أسماء الرّحمن، ومن أسماء العزيز، ونحو ذلك.
فعُلِمَ أنّ اسمه "الله" مستلزمٌ لجميع معاني الأسماء الحسنى، دالًّا عليها بالإجمال. والأسماء الحسنى تفصيلٌ وتبيينٌ لصفات الإلهيّة التي اشتقّ منها اسم "الله". واسمُ "الله" دالٌّ على كونه مألوهًا معبودًا، تَألَهُه (¬٣) الخلائق محبّةً
---------------
(¬١) ع: "اسم".
(¬٢) "ولا يقال: الله" من ع وحدها. وهو ساقط من النسخ الأُخر لانتقال النظر. وقد زيد في هامش ش بعد "أسماء الله": "ولا يقال". وفي م: " ... والحكيم من أسماء الرحمن"، فصححت العبارة في هامشها كما ورد في ش.
(¬٣) ش: "أَلِهَه"، وكان نحوه في الأصل مع فتح الهاء، ثم زيد "تأ" فوقه. وكذا كان في م، فكتب بعضهم في هامشها: "لعله يألهه".

الصفحة 49