كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

واحدٍ، وهو أن يتَّفق رضا الحقِّ بعمل العبد أو حاله أو وقته، وإيقانِ العبد وقصدِه؛ فيكون العبد راضيًا مرضيًّا، فأعماله إذًا مرضيَّة، وأحواله صادقة، وقصوده مستقيمة. وإن كان العبد كُسي ثوبًا مُعارًا، فأحسن أعماله ذنبٌ، وأصدق أحواله زورٌ، وأصفى قصوده قعود).
قال الإسكندري في شرح هذه الدرجة: «هذه الدرجة أفضل مما قبلها من حيث تبرُّئه عن رؤية صدقه وخروجه عن آثار نفسه، فإن من كمل صدقه في سلوكه بحث عن آفات أحواله وأخلاقه ومقاماته. فينظر في حقيقة صدقه، فيجده من فضل ربه وكرمه الذي منَّ عليه به عونًا له على ما هو بصدده، فإذا وافق صدقه وجدّه في شيء من حركاته رضا الحق به كان ذلك مرضيًّا لربه، والعبد محب فيه وله راض به. وهذه هي الموافقة بين رضا الحق وقصد العبد. فهو في التحقيق محلٌّ، إذ الحق تعالى خلق له الصدق والرضا بما هو مرضي عنده، فله الحمد، فإنه المتفضل بالقسمين، وهما خلق الفعل المرضي به وثناؤه على فاعله. فإذا تحقق العبد هذا من نفسه علم أنه في صدقه كسي ثوبًا معارًا، إذ هو لغيره تحقيقًا. فإن ادعاه لنفسه واستحسن شيئًا من عمله وكماله لنفسه كان ذلك عجبًا إن نسي منة ربه، وإن ذكرها تبرَّأ من حوله وقوته ودخل في مقام الخصوص. ولذلك قال الشيخ: (فأحسن أعماله ذنب) أي إن ادعاه لنفسه، (وأصدق أحواله زور، وأصفى قصوده قعود)، لأنه لم يصفُ له قصده لربه خاصة لبقائه مع دعوى نفسه».
لم يخرج القاساني من شرح التلمساني فلا داعي لحكاية كلامه، والفركاوي لم يشرح هذه الجملة البتة. وقد حرصنا على نقل شرح الإسكندري بتمامه، لأنه مختلف عن شرح التلمساني لقول الهروي: (وإن
وتعظيمًا وخضوعًا، ومفزعًا إليه في الحوائج والنّوائب. وذلك مستلزمٌ لكمال ربوبيّته ورحمته المتضمِّنتين (¬١) لكمال الملك والحمد. وإلهيّتُه (¬٢) وربوبيّتُه ورحمانيّتُه وملكُه مستلزمٌ لجميع صفات كماله، إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحيٍّ ولا سميعٍ ولا بصيرٍ ولا قادرٍ ولا متكلِّمٍ، ولا فعّالٍ لما يريد، ولا حكيمٍ في أفعاله.
فصفات الجلال والجمال أخصُّ (¬٣) باسم "الله". وصفات الفعل والقدرة، والتّفرُّد بالضَّرِّ والنّفع والعطاء والمنع، ونفوذ المشيئة وكمال القوّة، وتدبير أمر الخليقة= أخصُّ باسم "الرّبِّ".
وصفات الإحسان والجود والبرِّ والحنان والرّأفة واللُّطف= أخصُّ باسم "الرّحمن". وكُرِّرَ (¬٤) إيذانًا بثبوت الوصف، وحصول أثره، وتعلُّقه بمتعلَّقاته.
فـ"الرَّحمن": الذي الرَّحمةُ وصفُه، و"الرَّحيم": الرَّاحم لعباده. ولهذا يقول تعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: ٤٣]، {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: ١١٧]. ولم يجئ: رحمانُ بعباده، ولا رحمانُ بالمؤمنين، مع ما في اسم "الرَّحمن" الذي هو على وزن فعلان من سعة هذا الوصف وثبوت جميع معناه للموصوف به. ألا ترى أنّهم يقولون: غضبان، للممتلئ غضبًا،
---------------
(¬١) ما عدا ش، ع: "المتضمنين".
(¬٢) رسمه في الأصل: "والهيبة" وهو سبق قلم، ولكن كذا نقل في م، ج أيضًا.
(¬٣) رسمها في الأصل هنا وفيما يأتي: "اختص"، وأخشى أن يكون مغيَّرًا.
(¬٤) يعني في قوله تعالى: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}.

الصفحة 50