كتاب مدارج السالكين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

كان العبد كُسي ثوبا معارا ... ) إلخ، ولم يقف عليه ابن القيم. وقد أطال التلمساني في شرحه مع افتراض إيرادات على كلامه ثم الرد عليها.
وقد فسَّر ابن القيم كلام الهروي على وجهين:
أولهما: «أن يُكسى حلية الصادقين، ويلبس ثيابهم على غير قلوبهم وأرواحهم، فثوب الصِّدق عاريةٌ له لا مِلْك، فهو كالمتشبِّع بما لم يُعطَ، فإنَّه كلابس ثوبي زورٍ. فهذا أحسن أعماله ذنبٌ يعاقَب عليه، كما يعاقَب المقتول في الجهاد، والقارئُ القرآنِ المتنسِّك، والمتصدِّقُ، ويكونون أوَّل من تُسعَّر بهم النار يوم القيامة لمَّا لبسوا ثياب الصادقين على قلوب المرائين».
ولكنه عقّب عليه بأنه معنًى صحيح غير أنه لا يظنه مقصود الشيخ، وإنما قصد معنًى آخر، وهو: «أنَّه متى تيقَّن العبد أنَّ وجوده ثوبٌ معارٌ ليس منه، فإنه ليس به ولا له، وإنَّما إيجاده وصفاته وإرادته وقدرته وأعماله عاريةٌ من الفعَّال وحده، والعبد ليس له من ذاته إلَّا العدم، فوجوده وحياته ثوبٌ أُعيرَه. فمتى نظر بعين الحقيقة إلى كسوته رأى أحسن أعماله ذنوبًا في هذا المقام، وأصدق أحواله زورًا، وأصفى قصوده قعودًا. فلا يرى لنفسه عملًا، ولا حالًا ولا قصدًا، فإنّه ليس له من نفسه إلَّا الجهل والظُّلم، فكلُّ ما من نفسه فهو ذنب وزور وقعود، وما كان مرضيًّا فهو بالله ومن الله ولله، لا بالنفس ولا منها ولا لها، فإنَّ العبد إذا رأى أنَّه قد فعل الطاعة كان رؤيته لذلك ذنبًا، فإنَّه نسب الفعل إليه، والله في الحقيقة هو المتفرِّد بالفعل. فعلى هذا لا يتخلَّص العبد من الذنب قطُّ، فإنَّه إذا خلَّص فعله من الرِّياء ومن كلِّ شيءٍ يفسده اقترن به آخَرُ لا يمكنه الخلاص منه، وهو اعتقاده أنَّه هو الفاعل».
وندمان وحيران وسكران ولهفان، لمن مُلئ بذلك؛ فبناء فَعْلان للسّعة والشُّمول.
ولهذا يقرُن استواءَه على العرش بهذا الاسم كثيرًا (¬١)، كقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: ٥]، {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ} [الفرقان: ٥٩]. فاستوى على عرشه باسم "الرّحمن"، لأنّ العرش محيطٌ بالمخلوقات قد وَسِعَها، والرّحمةُ محيطةٌ بالخلق واسعةٌ لهم، كما قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: ١٥٦]. فاستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصِّفات، فلذلك وسعت رحمته كلَّ شيءٍ.
وفي الصّحيح من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لمّا قضى الله الخلقَ كتَب في كتابٍ فهو عنده موضوعٌ على العرش: إنّ رحمتي تغلب غضبي" (¬٢). وفي لفظ: "سبقت رحمتي غضبي" (¬٣). وفي لفظٍ: "فهو عنده، وضعه على العرش" (¬٤).
فتأمَّلْ اختصاصَ هذا الكتاب بذكر الرّحمة ووضعِه عنده على العرش، وطابِقْ بين ذلك وبين قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: ٥]، وقوله:
---------------
(¬١) لم يقرن باسم الرحمن في القرآن الكريم إلا في الموضعين المذكورين.
(¬٢) أخرجه البخاري (٧٤٠٤)، ومسلم (٢٧٥١) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(¬٣) البخاري (٧٥٥٣)، ومسلم (٢٧٥١/ ١٥). وقد سقط هذا اللفظ من ع، واستدرك في حاشية ش: "وفي رواية: ... ".
(¬٤) كذا في الأصل وغيره، وفي هامش ع: "خ وضعٌ". يعني اللفظ الوارد في البخاري (٧٤٠٤): "وهو وَضْعٌ عنده على العرش" أي موضوع. وفي رواية أبي ذر: "وَضَعَ". انظر: "فتح الباري" (١٣/ ٣٨٥).

الصفحة 51